المستقبل البترولى
أهم الأخبار مقالات

د أحمد عبدالقادر يكتب: البترودولار والحرب العالمية الثالثة

يُحكى أن الناس كانوا يتبادلون البضائع بالمقايضة ولم تكن لديهم عملة معينة يشترون بها الأشياء، فخمس تفاحات يمكن مقايضتها مثلا بقطعة لحم ثم في مرحلة ما بدأ الناس بالتعامل بالذهب والفضة وهما معدنين ثمينين نادرين لا سلطة لبشر على إنتاجهما ولهما قيمة مزروعة في فطرة البشر والكتب المقدسة في وصف الجنة ونعيمها. وفى عام 1944 استخدم نظام Bretton Woods system كنظام إدارة نقدي أسس قواعد للعلاقات التجارية والمالية بين الدول الصناعية الكبرى في العالم حيث أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية  ارتباط عملة الدولار بالذهب حيث أعلنت قيمة كل واحد دولار مقابل 1.5 جرام من الذهب  كسعر ثابت إلى أن حدثت حرب فيتنام  في عام 1971 وقيام الولايات المتحدة الأمريكية بطباعة الدولار دون وجود رصيد كاف من الذهب مما أدى إلى إلغاء ارتباط الدولار بالذهب وغدت هذه العملة الخضراء التي يعرفها أغلب من يعيش على هذه الأرض نقدا إجباريًا بعد أن كانت لعقود طويلة مالًا يأخذ قيمته من المادة التي يصنع منها ذهبا كانت أو فضة.
وبعد تحول الدولار لمال إلزامي أي لا مال ذا قيمة كان من اللازم على الولايات المتحدة أن تقوم بما يلزم لإيقاف تهاوي قيمته بإخضاعه لقاعدة العرض والطلب حيث قامت بتوقيع اتفاقية عام 1973 مع المملكة العربية السعودية يقضي بأن تكون مبيعات النفط السعودي بالدولار الأمريكي مقابل الحماية والسلاح وفي عام 1975 تبعتها كل دول منظمة الأوبك. وبعد هذا الاتفاق أصبح كل من يرغب بشراء النفط عليه أن يحصل على الدولار الأمريكي أولًا ثم يدفعه للدول المنتجة للنفط. فمثلا اليابان إن أرادت شراء النفط عليها جلب دولارات من أمريكا ببيعها بضائع مثلًا ثم دفعها للسعودية مما عزز أمّنا للدولار الأمريكي وأدى إلى ازدهار الاقتصاد الأمريكي وتنامي القوة العسكرية لتتفوق على دول العالم حيث أن دول العالم اجمع اصبح ينتج بضائع يمكن بيعها للحصول على العملة الأميركية الخضراء لشراء النفط الذي يحتاجه، في حين أنّ الولايات المتحدة وحدها التي يحقُّ لها أنْ تشتري بوَرَقٍ، لا تُكلِّف طباعة الواحدة منها أكثر من 5 سنتات.
وبسبب سياسات الولايات المتحدة الأمريكية لتعزيز قوتها واقتصادها على الدول المختلفة وخصوصا المنتجة للنفط ومحاولتها إخضاع تلك الدول تحت سيطرتها للتحكم بها بالإضافة إلى كثير من الأحداث العالمية التي تركت من الحيرة والشك أكثر من المعرفة والحقيقة  وبعد الاطلاع على تأثير النفط على الدولار وتأثير ذلك على انهيار أو صعود الولايات المتحدة، ستتفهم كيف اخترعت الولايات المتحدة الأمريكية سيناريوهات لشن الحروب على الدول المنتجة للنفط لحماية مصالحها وعلى سبيل المثال
1- حرب العراق
ففى سبتمبر لعام 2000 الماضي قرّر الرئيس صدام حسين تحويل العملة المتداولة في بيع بترول العراق في برنامج الأمم المتحدة «البترول مقابل الغذاء» إلى البترويورو الأوروبي بدلاً من البترودولار الأميركي وقد علق وليام كلارك بأن صدام حسين قد رسم قدره بيديه حيث انه إذا ما بدأ صدام ببيع النفط العراقي باليورو فإنه سوف يعرّض هيمنة الدولار للخطر باعتباره عملة التعامل النقدي الرئيسية في العالم، وإذا ما قدّر لهذه الخطوة أن تنجح وتتبعها دول أخرى فإنّ ذلك سيكون بمثابة إعلان انهيار كامل للاقتصاد الأميركي. فلدى الصين مثلاً أكثر من 800 مليار دولار احتياطي نقدي أجنبي، وعندما تبدأ إحدى الدول ببيع نفطها باليورو فسوف تقوم الصين بتحويل احتياطها من الدولار إلى اليورو لشراء النفط به وهذا ما يعدّ بمثابة إعدام لأميركا.
إلى أن اعلن جورج بوش الحرب على العراق عام 2003 بحجة امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل حيث صدق بعض الجهلة تلك الأكذوبة لحرب العراق إلا أن القليل مننا اعتقد أنّ السبب هو سرقة نفط العراق وقد تبيّن لاحقاً أنّ الأمر أبعد من ذلك بكثير حيث أنّ الإدارة الأميركية حينها قد دخلت معترك الحرب بغرض خلع صدام حسين والقضاء على تلك الظاهرة التي كانت قد بدأت تأخذ طريقها إلى بترول الشرق الأوسط وإلى استبدال الدولار الأميركي باليورو كعملة لبيع البترول.
2- ثورة ليبيا
اتخذ معمر القذافي خطوة جريئة الغرض منها رفض الدولار واليورو واستخدام عملة بديلة وهي “الدينار الذهبي” مما أثار غضب دول الغرب حيث دعا معمر القذافي الدول العربية والأفريقية لاستخدام هذه العملة البديلة وقال إن هناك أكثر من مائتي مليون فرد سوف يستخدمون هذه العملة إذا ما تمت الموافقة عليها وهذا يكون أحد سبل تأسيس قارة أفريقية موحدة. وقد لقيت فكرته استحسانا من الدول العربية والكثير من الدول الأفريقية ماعدا جنوب أفريقيا والأمين العام لجامعة الدول العربية بينما رفضت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي تلك الفكرة.
وقد ظن البعض أن الرجل  مجنون و يحاول بعثرت ثروات ليبيا على بلدان القارة لشراء الولاء السياسي. لكن  الرجل سعى إلى صك عملة عابرة للحدود لها غطاء من الذهب وكانت ستشكل تهديدا لاستمرار هيمنة الدولار مما أدى في النهاية بالدفع بالولايات المتحدة لشن حملة جوية تساند خلالها حراك محلي عسكري للإطاحة بنظام القذافي الذي كان متواجدا منذ عقود دون أن تحرك أمريكا نحوه ساكنا.
3- العقوبات النفطية على ايران
بينما في ايران فقد صعدت الولايات المتحدة الأمريكية مسلسل المفاعلات النووية الإيرانية  كورقة للتمويه و الضغط عليها لفرض هيمنتها على ايران عندما بدأت ايران تسعى للتحول من الدولار الى اليورو بسبب التوترات السياسية مع واشنطن على الرغم من أن غالبية التجارة الخارجية للبلاد ما زالت تتم بالدولار، كما يستخدمه الإيرانيون في السفر والادخار. وقد ذكرت الحكومة الإيرانية في بيان بأنها لن تبيع نفطها بالدولار في العقود الجديدة، ودعت الأوبيك إلى ربط نفطها بعملات أخرى.
وقد ذكر كلارك في مقاله «حرب البترودولار: الدولار واليورو وأزمة البترول الإيراني المقبلة» أنّ هيمنة أميركا على العالم قد تأسّست من خلال هيمنة دولارها على التعامل الدولي للنفط ما معناه أنّ على العالم أجمع أن ينتج بضائع يمكن بيعها للحصول على العملة الأميركية الخضراء لشراء النفط الذي يحتاجه في حين أنّ الولايات المتحدة وحدها التي يحقُّ لها أنْ تشتري بوَرَقٍ لا تُكلِّف طباعة الواحدة منها أكثر من 5 سنتات كلّ ما تريد شراءه من نفط ومن سِلَعٍ أخرى.
ولقد صَدَقَ سابقاً ديغول عندما وصف طبع الولايات المتحدة للدولار من دون غطاء ذهبي بأنَّه «سرقة مكشوفة وكبيرة». فعلى سبيل المثال، عندما تحتاج اليابان للنفط، تقوم باستبدال سيارات التويوتا مثلاً مقابل الدولار الذي أنتجته أميركا فقط من خلال النقر على مفاتيح حاسبها الآلي، ومن ثم تقدّم اليابان تلك الدولارات للدولة المنتجة للنفط للحصول على احتياجاتها منه. ومن ثم تقوم الدولة المنتجة للنفط أيضاً بمقايضة نفطها مع أميركا مقابل الدولار لتكوين احتياطي نقدي أجنبي لتوفير غطاء الثقة بعملتها الوطنية. كما تقوم كافة الدول الأخرى أيضاً بتكوين احتياطي نقدي أجنبي لديها بمليارات الدولارات من أجل تأمين احتياجاتها المستقبلية من النفط. إذاً فالنتيجة هي أنّ أميركا استوردت البضائع الأجنبية والنفط بالمجان وهذه الديناميكية هي التي غطت العجز التجاري الأميركي لأكثر من 30 سنة بما يفوق عن 8 آلاف مليار دولار أميركي
بينما قال سوهان شرما وسو تريسي وسوريندر كومار ما يلي: «النفط يمكن شراؤه من الأوبك بالدولار فقط. والدول غير المنتجة للنفط مثل معظم الدول النامية واليابان يجب أن تبيع بضائع ومواد خام للحصول على الدولار الذي يستطيعون به شراء النفط وإذا لم يستطيعوا شراء دولارات كافية فعليهم إذن الاقتراض من البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي الذي يجب أن يستردّ القرض مع الفوائد بالدولار أيضاً، وهذا طبعاً يخلق طلباً كبيراً للدولارات خارج الولايات المتحدة. أما بالمقارنة مع الولايات المتحدة نفسها فإنّ تلك الأخيرة هي الوحيدة التي تستطيع أن تطبع دولاراً تشتري به ما تشاء بدون أن تصدّر أو تبيع أيّاً من بضائعها».
وننتقل حالياً إلى ما يحدث على المسرح الدولي فالقليلون جداً يتابعون عن كثب ما يجري بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا فالأزمة المالية الأميركية والتي تحوّلت لاحقاً أزمة عالمية بالإضافة إلى أن الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي مؤخراً، ما هما إلا انعكاسات حتمية لحرب أميركا الناعمة على مشروع ربط النفط باليورو أو بسلّة عملات ومحاولة متواصلة لتدمير الاقتصاد الروسي من خلال تخفيض الأسعار العالمية للبترول والغاز، باعتبارهما أهمّ مصادر الدخل القومي لروسيا.
كما أنّ المحاولة ذاتها سبق أن تمّت بنجاح في عهد الرئيس رونالد ريغان، حيث خفّضت أميركا أسعار البترول مما ساهم بانهيار الاتحاد السوفياتي حينها. لكن التاريخ لا يعيد نفسه دائماً ورداً على استمرار معركة طحن العظام لروسيا صرّح بوتين مؤخراً «علّمتني شوارع ليننغراد قبل خمسين سنة درساً: إذا كان لا بدّ من القتال فلتكن أنت البادئ أولاً»، ولهذا تبذل موسكو كلّ جهدها لمحاربة نظام البترودولار، ومؤخراً أجرى وزير الاقتصاد الروسي اليكسي اولياكاييف عملية «اجتثاث للدولار». بمعنى أنّ «تبديل العملة أمر تنفيذي»، وصدر بيان يؤكد أنّ «الحكومة لديها السلطة القانونية لإجبار الشركات الروسية للتعامل بالعملة الوطنية». كما قالت إيران بدورها إنها لن تبيع نفطها بالدولار في العقود الجديدة، ودعت الأوبيك إلى ربط نفطها بعملات أخرى.
والأهمّ من ذلك أنّ الصين التي أصبحت منذ العام 2014 القوة الاقتصادية الأولى في العالم وثاني ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم في 2017 حيث تخطت الولايات المتحدة كأكبر مستورد للنفط الخام.  وروسيا التي تشكّل المنتج الأول للنفط والثاني للغاز في العالم، بدأتا معاً بإجراء مبادلاتهما التجارية بعملتيهما الوطنية. وهذا الهجوم على الدولار سيجبر البلدان الأوروبية المستوردة للنفط والغاز الروسيين على تسديد الحساب لروسيا بالروبل بدلا من الدولار.
وتأسيساً على ما تقدّم فلو أرست روسيا والصين وإيران سابقة ربط النفط بسلّة عملات عوضاً عن الدولار فسوف تنتهي كلمة السرّ التي تبقي أميركا مهيمنة على العالم ولن يكون بوسعها أن تكتفي بطباعة الأوراق النقدية لسداد ديونها الضخمة ولا أن تواصل العيش بالمجان على حساب البلدان الأخرى. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: إذا ما قدّر لهذا المشروع أن ينجح، هل تتحوّل حروب البترودولار الأميركية إلى حرب عالمية ثالثة؟
سنرى ما سيحدث في الأيام القادمة إن شاء الله
كاتب المقال من شركة المنصورة للبترول

موضوعات ذات صلة

المتحدة لمشتقات الغاز تحصل على المركز الثاني عالمياً في مجال السلامة والصحة المهنية(عثمان علام)

Dalia

كلمتين ونص…المادة الخامسة وحجازي متقال( عثمان علام)

Dalia

شلمبرجير تتوقع تباطؤ طفرة إنتاج النفط الصخري(عثمان علام)

Noura

الرئيس التنفيذي للشركة: الناقلة البريطانية المحتجزة كانت في المياه الدولية(عثمان علام)

Dalia

إنما للصمت حدود …ماهى أخبار المنحة الشهرية ؟(عثمان علام)

Dalia

مقتل 10 أشخاص بانفجار في مصنع للغاز وسط الصين(عثمان علام)

Noura

اترك تعليق

error: Content is protected !!