المستقبل البترولى
أهم الأخبار مقالات

د شيرين أبو خليل تكتب: النظر من ثقب التشاؤم والحروب الكيميائية

طرحت الأسلحة الكيمائية كوسيلة من وسائل الحرب على نطاق واسع لأول مرة فى الحرب العالمية الأولى عندما أطلق الألمان غاز الكلور (وهو منتج ثانوى فى صناعة الأصباغ) ضد الحلفاء فى الجبهة الغربية فى مطلع عام 1915. تسبب الغاز الرمادى المائل للخضرة المنبعث فى قتل الحنود اختناقاً لأنه كان مركزاً للغاية حيث يتحول الغاز إلى حمض الهيدروكلوريد عندما يتحلل فى الماء الموجود برئتى الضحية. ومن حينها متى رأى الجنود سحاب غاز رمادى مائل للخضرة فزعوا ووقعت الرهبة فى نفوسهم.
ورغم إدانة بريطانيا وقتها للتسلح بالغاز باعتباره إنتهاكاً صارخاً للقانون الدولى، فسرعان ما أقرت بحتمية استخدام السلاح نفسه إذا أرادت البقاء، ولكن لسوء الحظ عندما استخدمته لأول مرة فى سبتمبر 1915 إرتد أثره على جنودها، فلأن هذا النوع من الأسلحة إعتمد على حالة الرياح واتجاهها، فإن التغير غير المتوقع فى حركة الرياح كان يعنى عدم وصول الغاز إلى العدو، بل والأسوأ من ذلك هو إمكانية هبوبه مرة أخرى على صفوفهم هم من أطلقوا هذا الغاز. وهذا ما حدث بالفعل بالرغم من إرتداء الجنود القائمين بإطلاق الغاز أقنعة وقائية إلا أن الحرارة تسببت فى غشاوة على فتحات النظر الصغيرة بالأقنعة، ففتح الجنود أقنعهتم ليتمكنوا من الرؤية واستنشاق الهواء النقى، فتمكن منهم الغاز.
طور علماء الكيمياء الفرنسيون سلاحاً كيميائياً جديداً، وهو غاز “الفوسجين” الذى تميز بأنه عديم اللون والرائحة نسبياً، وحل محله غاز “الخردل” الذى خلف وراءه إصابات مروعة فى ضحاياه، لما سببه من من حروق وعمى وضيق تنفس مما يؤدى إلى نهاية حتمية بالموت، وخاصة أن هذا الغاز الأصفر أثقل من الهواء فيستقر على الأرض لفترة قد تمتد لأشهر فى الضربة الواحدة وفقاً للأحوال الجوية. وكما قال عنه Jonathan B. Tucker عام 2006 فى كتابه “War of Nerves: Chemical Warfare from World War I to Al-Queda” أو “حرب الأعصاب: من الحرب العالمية الأولى حتى القاعدة”: أصبح غاز الخردل أكثر الأسلحة الكيميائية إنتشاراً، والأسوأ سمعة فى الحرب العالمية الأولى.
الوفاة جراء الغاز عادة ما تكون بطيئة ومؤلمة. وهذا ما أردت قوله، التشاؤم مثله مثل الغاز، يتسبب فى البداية فى حالة من السخط والتهيج، وفى النهاية يسبب ألماً نفسياً، ويعرض الإبداع بداخلنا إلى موت بطيىء ومؤلم. فالتشاؤم سلاح فتاك والأكثر منه خطراً هو إنبعاثاته السامة القاتلة، فلا أحد يستمتع بالبقاء مع المتشائمين، فصحبتهم ليست لطيفة، ويمكنك دائماً توقع تصرفاتهم، لكنهم يفرضون إرادتهم دون كلل، لذا يسهل إنجرافك إلى الكآبة السلبية التى يبثونها.
يرى بعض الأطباء النفسيين اليوم أن “التشاؤم” يعتبر آلة تكيف بناءة لأنه يضمن وجود منظور واقعى للأمور. فبإمكان الأشخاص الذين لديهم نظرة تشاؤمية فطرية أن يجدوا سبلاً للعمل “فى أسوأ السيناريوهات المتوقعة”، حيث أن إنغماس هؤلاء فى الأفكار السلبية قد يساعدهم فى بذل أفضل ما لديهم لكونهم على استعداد لما هو أسوأ. ولكن القدر المتزايد منه يوصلك إلى الاكتئاب الذى بدوره يقتل ما بداخلنا من أفكار مبتكرة، وينمى المشاعر السلبية التى بدورها تضفى على الأشخاص نوعاً من الرؤية الضيقة أو تحجب انتباههم، وهذا ما ذهب إليه رأى فريق آخر من المحللين النفسيين، حيث أكدوا أيضاً على أن الشعور بالتفاؤل والسعادة يوصل الشخص إلى أقصى درجات الإبداع، وتقبل المعلومات بجميع أنواعها. يقول عالم النفس “آدم أندرسون” – وهو أحد المشاركين بدراسة بجامعة تورنتو – أنه “عندما تكون فى حالة مزاجية طيبة، قد تتعمق فى أشياء كنت دائماً ما تتجاهلها، فبدلاً من النظر من ثقب صغير، تحصل على منظر طبيعى فسيح، أو إطلالة بانورامية على العالم”.
يميل المتشائمون لإبداء مستوى متدنٍ من الثقة، وعدم الاهتمام بالأنشطة، وعدم وجود الدافع القوى، أو الطموح لخروجهم من النظرة الضيقة، يقول “نيتشه”: “إن التشاؤم يؤدى إلى الاستسلام”.
ويؤكد “Shawn Achor” عام 2010 فى دراسة بعنوان: “The Happiness Advantage”، أو “مزايا السعادة”، أن الأشخاص المتفائلين ينزعون إلى النجاح فى الحياة، فرجال المبيعات المتفائلون يتفوقون على أقرانهم المتشائمين بنسبة (37%)، وكذلك الأطباء ذو الحالة الذهنية الإيجابية تكون دقة تشخيصهم أعلى بنسبة (50%) من الأطباء السلبيين.
وهذا يعزز ما تناولته فى مقالٍ سابق حول عزل وتقييد الأفكار من جانب بعض القادة بالمؤسسات المختلفة، حيث يميل بعضهم إلى تكوين فرق عمل تشبههم فكرياً، فما الحال إذن عندما يتسلل التشاؤم لهؤلاء القادة، وبالتبعية لفريق العمل ككل؟
لذا ليس أبداً من الضرورى، أو الملزم أن يتبع الفرد فكر الجماعة. سر بمفردك أحياناً. يقول العالم “ألبرت أينشتاين”: “من يتبع الجماعة فلن يصل إلى ما هو أبعد من الجماعة، ومن يسر بمفرده فسيجد نفسه – على الأرجح – فى أماكن لم يطأها سواه”.
خلاصة القول، مثلما يكون التشاؤم المفرط سلوك سلبى وخطير للغاية على أصحابه والمحيطين، فالأشد خطورة هو التفاؤل غير الواقعى.
‏”A pessimist is somebody who complains about the noise when opportunity knocks”. Oscar Wilde.
“الشخص المتشاءم هو الذى يشكو من الضجيج عندما تنقر الفرصة على بابه”. أوسكار ويلد.
‏”L’optimiste voit l’opportunite dans chaque danger… le pessimiste voit le danger dans chaque opportunite”. Winston Churchill.
“يرى الشخص المتفاءل فرصة فى كل تهديد… بينما يرى الشخص المتشاءم تهديد فى كل فرصة”. ونستون تشرشل.

موضوعات ذات صلة

كلمتين ونص…الحشيش ولا الفيس!(عثمان علام)

Dalia

محمد العليمي يكتب : قوانين سوء الحظ الثلاثون.(عثمان علام)

Dalia

أحمد الغرباوى يكتب: و.. وأبداً لَنْ أبْكى! (2)(عثمان علام)

Dalia

محافظ دمياط تستقبل رئيس موبكو لبحث سبل التعاون المشترك(عثمان علام)

Dalia

تقترب من 2 تريليون جنيه.. مجلس النواب يقر أكبر موازنة في تاريخ مصر رسميا(عثمان علام)

Dalia

رأسمال شركة سونكر يرتفع لمليار جنيه والعربية للتكرير ل336.2 مليون.(عثمان علام)

Dalia

اترك تعليق

error: Content is protected !!