Thu,17 Oct 2019

عثمان علام

كلمتين ونص...أيام الصمت والوجوم التي سبقت خروج إبراهيم خطاب للمعاش .

كلمتين ونص...أيام الصمت والوجوم التي سبقت خروج إبراهيم خطاب للمعاش .

الكاتب : عثمان علام |

06:46 pm 30/06/2019

| أهم الأخبار

| 505


عثمان علام:
بدايةً قد يكون ما اكتبه مخيباً لآمال كثيرين ممن يضمرون العداء للسيد ابراهيم خطاب ، بينما يكون برداً وسلاماً على مناصريه ، وقد يكون أكثر موضوعية لمن يقفون على الحياد ، فليس لهم ناقة ولا جمل من بقاء ابراهيم خطاب او رحيله عن منصبه ، لكنها نظرةً موضوعية تجاه رجل انتقل ملفه من المنصب للمعاش ، يعني من القوة للضعف .
غير انه ليس من الشجاعة ولا المروءة ولا من الدين في شيئ ان تنبري اقلاماً وصفحات تهاجم الرجل بعد المعاش ، وليس من صفات الرجال ولا النساء أيضاً ان يتم تداول فيديوهات وصور لخروج ابراهيم خطاب من بتروتريد إبان نكسة يناير ، فقد اطاحت النكسة ب اعتى العتاة ، واقتلعت جذور رجال ومنهم وزير البترول في هذا الوقت المهندس سامح فهمي وستة نفر معه زج بهم في السجون ، لقد كان هؤلاء الرجال وغيرهم ملئ السمع والبصر ، وليس ابراهيم خطاب بأفضل ولا احسن منهم حتى نعتبر ما حدث له نوعاً من المهانة او تطهيراً للفساد ، فمعظم الذين افرزتهم النكسة كانوا مدعين شرف ونُبل ، وها هي الأيام تثبت عكس ما كان .
إن اسراب النقد التي لاتزال توجه لابراهيم خطاب هي نفس الاسراب التي ادعت فساد كثيرين نالوا البراءة فيما بعد ، ورغم انه ليس مداناً في شيئ ولا متهماً في قضية إلا ان الواقع البترولي يصور لنا هذه الأيام ان الرجل كان مجرماً ويستحق العقاب والحسبنة ليل نهار .
لكن ما هي القصة ؟
لقد سبق خروج ابراهيم خطاب من منصبه صمت و وجوم في قطاع البترول ، صمت استمر قرابة الاربعة اعوام دون ان يجرؤ واحد على التلفظ ولو بكلمة ، وكيف لاحد ان يتلفظ او يتكلم وسيف الحجاج "كما يظن البعض"، مسلط على رقبته.. لكن الكثيرون ظلوا في حالة صمت ووجوم ، وهذا هو التوصيف الأكثر دقة للأيام التى سبقت خروج السيد ابراهيم خطاب للمعاش .
لقد تلت الأشهر الأولى من إعلان تعيين المهندس طارق الملا وزيراً للبترول، اعلانه الاستعانة بمن وصفوا بالمقربين منه واحداً تلو الأخر من هيئة البترول، هؤلاء الذين جاءوا لديوان الوزارة، لدرايتهم بالوزير ولثقته بهم "وهذا حقه "، ولأنهم كانوا اصحاب تجربة ربما كانت ناجحة على الاقل من وجهة نظره وهذا يكفي ، وجاء كلاً من ابراهيم خطاب والمرحوم ناجي نفادي وطارق القلاوي وهشام لطفي والسكرتارية الخاصة بالوزير الذين كانوا معه في الهيئة الى الديوان .
مرت الايام ، وبات كل شخص في مكانه ، وكل العاملون بالقطاع صمتوا ثم وجموا، وجوم ران على الوجوه، صمت اخرس الألسنة فى المقاهى، وفى المكاتب، وفى لقاءات المهندسين والإداريين والمحاسبين والقانونيين وفى كل الوسائل، لقد كان تفسيره ليس نابعاً من حسابات التأييد أو المعارضة لسياسة الوزير الجديدة على القطاع ربما لم يعهدها من قبل، بل البعض اعتبر ذلك خنوعاً للأمر الواقع دون مقاومة ولو حتى بمجرد المحاولة ، وقد لا يعني هذا الخنوع ان ثمة شيئ خطأ بقدر ما كان يصبو الجميع للاستقرار داخل القطاع .
ربما يكمن بعض التفسير فى الطبيعة المفاجئة لهذه التطورات الدرامية، وربما يكمن جزء آخر منه فى شىء من الخوف من غضب الوزير وقياداته ، لكن المؤكد أن الجزء الأكبر يتمثل فى شعور قائم على الحدس بالتوجس والاشفاق من المستقبل والخوف على الأبناء الذين أكملوا تعليمهم ولم يجدوا لهم فرصة في قطاع آبائهم، أو الذين لم يكملوا تعليمهم بعد، وينفق عليهم إبائهم من دخلهم الوحيد من هذا القطاع الذي اعتبروه بات مغمساً بالذل والهوان في ظل العمل مع هؤلاء الأشخاص الذين أحتلوا الصفوف الأولى .
ويعلم الكثيرون أن الحدس قد يكون أحيانا مصدراً لا يخطئ للحكم على الأمور، دون حيثيات مفصلة، غير أنى أعرف بصفة شخصية أننى سبق وأن رأيت أياماً مماثلة من الصمت والوجوم فى تاريخ قطاع البترول القريب جداً، وعلى يد رجال كانوا اعتى بكثير ممن يعتبرهم البعض عتاة اليوم ، وكان الحدس فيها هو أيضاً سيد الموقف، غير أن الموقف تغير بعض الشيئ عندما شعر الكثيرون في القطاع ان هناك غلظة في التعامل مع اناس حملوا راية البنيان في هذا القطاع طوال تاريخه الممتد لأكثر من مائة وخمس وثلاثون عاما، مع انها ومقارنةً بغلظة السابقين تعبروا هينةً لينة ، تذكروا فاضل عثمان وفكري مصطفى وعبدالخالق عياد وغيرهم .
لقد لاكت الالسنة كلاماً كثيراً منها انه لم يكن العهد الذي تلا سامح فهمي، ومنذ عبدالله غراب و شريف اسماعيل او حتى عهد اسامه كمال، الذي وصفوه بالحدة والشدة وإنعدام اللين، سوى متنفس للقيادات، اشتموا منه رائحة الحرية المطلقة وليست المقيدة، فحتى لو كان هناك إطار موضوع للحديث، فيكفي أنهم كانوا يتحدثون، لكن سرعان ما ذاب كل ذلك ، حتى بات الجميع يحلم بذلك اليوم الذي يخرج فيه من ظنوا انه ظلمهم للمعاش دون رجعة، ولعل خطاب "من وجهة نظرهم "، هو واحد من هؤلاء .
ان جوهر المشكلة الحقيقية التي يتحدث عنها البعض بتحليل دقيق "وربما يكون غير صائب"، ان الوزير ورجاله اتخذوا قرارات مركزية لا داعي لها، يزعمون فيها نبل الهدف، وأهمية قصوى فى هذه اللحظة من تاريخ القطاع، وانا وان كنت اؤمن بهذا المنهج وهذه الطريقة التي يسير بها القطاع والتي وضعها الوزير ، غير ان ثمة عدم ادراك أن الشعور العام لدى الناس داخل القطاع أصيب بصدمة من جراء ما حدث، ثم تضاعفت الصدمة، وتحولت إلى ذهول ثم وجوم وصمت من الاعتداء على حريتهم ونزع سلطاتهم، ومنعهم من ممارسة حق كفلته لهم اللوائح ، مع ان كثيرين منهم انحرفوا بهذه اللوائح ، فمنهم من اسرف في تعيين محاسيبه واقاربه ومريديه ، ومنهم من خصص لنفسه اسطولاً من السيارات ، ومنهم من راح يصيف بربع مليون جنيه في الاسبوع الواحد .
لكن ما نعرفه نحن ويعرفه كثيرون غيرنا أنه فى الوقت الذى يجب فيه الحرص "كل الحرص"، على وحدة القطاع، وعدم إنفراط عقده، والدعوة إلى اكمال العمل مع هؤلاء الذين يراهم البعض قوة وسلطة وجبروت، فإن ذلك لا يعنى بالضرورة مصادرة فرص الزج بالقيادات الشاطرة والواعية وتحقيق العدل في الدخل، لإحداث حالة من الحراك العملي والتنموي ولإنتاج أفضل ولإيجاد حالة من الإنتماء ، وهي ملفات نجحت الوزارة الحالية في تحقيق جزء كبير منها ، كتعيين روؤساء شركات من الشباب وتدشين برنامج تطوير وتحديث القطاع ، وانشاء لجان مكافحة الفساد ولجان لتنظيم المصايف والمشاتي والعلاقات العامة ، والزج بقيادات في كافة المجالات كانوا اقرب الى الموت وظيفياً " راجعوا ملف مديرو الشئون الادارية والمالية والقانونية والامن وغيرهم .
غير ان ذلك كله قد لا يعفي السلطة المختصة بأن هناك جيلاً تم اقصاءه ، وليس ابراهيم خطاب هو السبب فيه ، فهناك اشخاص كثيرون كانوا يعكفون على الاختيار ومنهم من انحرف بالسلطة المفوضة اليه دون ان يكون للوزير دخل ولا لخطاب دخل .
اما ابراهيم خطاب فماذا قدم خلال فترة وجوده في الوزارة ؟
البيانات التي صدرت من هيئة البترول عن عدد العمالة الذين الحقوا بالقطاع في عهد ما قبل طارق الملا ، تؤكد ان الذين تم تعيينهم بالقطاع في عام ونصف اكثر من الذين تم تعيينهم في السنوات الاربع التي جمع فيها ابراهيم خطاب كل خيوط اللعبة في يده ، وهذا ربما يدل على نجاح خطة منع الزحف الغير مقدس على القطاع ، وهذا في حد ذاته يحسب للوزير ولابراهيم خطاب .
نعم هناك تعيينات بالجملة والبعض منها مجاملات ، لكن من كان منكم بلا مجاملات فليرحل من هذه البلدة .
كما تبدو قضية الترقيات والتنقلات هي القضية الاكثر حساسية وربما هي التي جعلت مواقف كثيرة معادية تؤخذ ضد ابراهيم خطاب ، خاصةً وان الوزارة اسرفت في ترقية النواب والخبراء وروؤساء الشركات ، وبينما نال نصيب الاسد منها الاداريون ظل المهندسون والفنيون مجمدون دون ترقيات اللهم الا القليل ، وليس هذا بذنب ابراهيم خطاب ، لأن من استوفى وفيَّ .
عضويات مجلس الادارة :
لم يكن لابراهيم خطاب دخل بتعيين اعضاء مجلس الإدارة ، وانما كان ينفذ تعليمات وزير البترول في الزج بمن يراه مناسباً في المكان المناسب ، هو نفسه لم يكن عضواً الا بشركة ابسكو وكلنا يعلم كيف كانت المشاكل بها ، وكذلك ميدور ، وجميعنا يعلم حجم المشكلات التي كانت في الشركة ، وهو ما يعني ان وجوده في الشركتين كان تكليفاً وليس تشريفاً .
نعم هناك بعض الأشخاص تم الدفع بهم مجاملةً في اماكن لا تتوافق وتخصصاتهم ، وهذا متعارف عليه في كل العصور ، والذي يقرأ الماضي ، يجد ما اشبه الليلة بالبارحة .
إنني وإن كنت احمل في نفسي غُصة في توجيه النقد او اللوم لمن خرج وذهب لحال سبيله ، إلا انني احياناً التمس بعض العذر للناس الذين لم ينالوا قسطاً وافر من حظهم داخل القطاع ، وهذه تبعات احداث سياسية واقتصادية هزت كافة الوزارات والهيئات وقطاع البترول واحد منها.
لقد عانى كل الرسل والأنبياء، بل وكل العظماء وعلى مر العصور، لكنهم أعتبروا معاناتهم هي ذلك الوقود الذي تلتهمه النار لتضيئ الطريق لهم ولغيرهم.
وفي إحدى روايات نجيب محفوظ قال: هل عرفنا ما كان يعانيه ساكن الحارة فى القاهرة عندما كان صلاح الدين يحقق إنتصاره الحاسم على الصليبيين؟ ،وهل تخيلنا آلام أهل القرى عندما كان محمد علي يكون إمبراطورية مصرية؟، وهل تصورنا عصر النبوة فى حياته اليومية والدعوة الجديدة تفرق بين الأب وأبنه والأخ وأخيه والزوج وزوجته؟؟
لقد تمزقت العلاقات الحميمة وحل العذاب مكان التقاليد الراسخة في كل ما مضى، ورغم ذلك قام الدين الحنيف وتسيد العالم ورسخ لمبادئ وقيم حافظت على الإنسانية وانتشلتها من الوحل، وبالمثل ألا يستحق إقامة أي بنيان أو تدعيم أي قيمة في أن نتحمل فى سبيله تلك الآلام؟ ، ولنحتسب ما فعله الوزير وابراهيم خطاب بمثابة ثورة داخل القطاع ، ترفع من قيمته وتعلي بناينه ، حتى ولو كان هناك ضحايا ، فما احلى من ان تكون ان انت وقوداً لثورة تنفع ولا تضر .