أحمد الغرباوى يكتب: وعِنْدَما يأتى المَساء

أحمد الغرباوى يكتب: وعِنْدَما يأتى المَساء

01:58 pm 04/09/2019

| مقالات

| 257


وتفقدُ حيوية الشباب .. وتتسلّل من بَيْن أضلعك عافية الجسد.. وتفتقدُ رَوْنق الشّكل.. وجاذبية مَلاحة السّمت..

وتحتاجُ إلى الاهتمام والتدليل.. ومِنْ يسعى نحوك للاسترضاء ويرضيك.. ويلتحفك بالعاطفة.. و

وماتبقّى من العمر يناديك فى حاجة للرحمة.. ومواساة سُهد.. وهِبة الوقت الجميل ممّن يُحِبّك فى الله.. يقتطعه من ثمين وقته نداء حُبّ.. لا تلبية لحّ واجب.. أو حَيْاء قُرب..وتغدو وحيداً.. وقد غادرت المناصب.. ومن قبلها هرب منك المجد الزائل.. ويحتلُّ السُّكات وكآبة الصّمت محلّ خدر الصخب؛ وزفّ الضجيج المراء..وتتكأ على حاضرِ ذِكرى جمال أمس.. ودفء أطلال حَيوات.. ورفقة رطب ظلال نادرة، كانت يوماً ما تعنى إخْلاص وِدّ.. وصدق فِعل.. ودرب عطاء..

وتلملم ندف الجَرْح المُتَدلّى مِنْ روح.. تحاول فكّ أسر النّفس المطويّة على وَجَعِ وآلام تأبى أنْ تغادر..وتتأمّل جُدْران البيت.

لم تعد محور الأسرة.. السّكون حولك؛ يعلنُ أنّك لم تعد بؤرة العائلة.. ولا مركز الاهتمام.. ولا صاحب الكلمة الأخيرة.. والحِكْمة تتهادى من بَيْن شفتىّ أعماقك.. تحملها الأحرف المُتكسّرة.. مُجَرد رأى..

والمعانى تعجزُ عَنْ الطيران.. والعصافير التى تغرّد بها مدفونة بأعشاشها.. تحاول الاختفاء..

رُبّما يأتى المساء؛ وكالعادة ترقد..

تستلقى ووسادتك وكتابك.. و.. ولاتنام!

تأكل ولا تتذوّق.. تبتلعُ ولا تمضغ.. وتقذف ولا تهضم.. تضحكُ ولا تفرح.. تخفى الدمعة (جِوّه) البَسْمة.. والخطى تحملُ الجسد المترنّح  من كل جمعٍ؛ مُنصرفاً هربا..

يبحثُ عن أملٍ.. يبعدُ رويداً رويدا.. كما يبعد عنك كُلّ من كان يلتصقُ بك من أجل مصلحة..وتحتاجُ إلى مَنْ له تأنس وتسمع حديثه.. وتستعذبُ همسه.. وتتشوّق لهسّه.. وتبدو سعيداً وأنت بجواره.. تستدعى الغائب.. طفلٌ يلهثُ نحو آثار خطو أمّ.. ويتبع ريح جلبابها.. ويعشقُ التعلّق بحِنيّة صدرها.. وبراء إحساسها..

وبدلاً من الحِمْيَة والحماس بمضمار السباق.. فى رُكْنٍ قَصِىّ تجلسُ تتجوّل.. وتهفو صوب  صادق نظرة نحوك.. وجميل حرف يقصد أذنيك.. وينع حِسّ يتماسّ ووجدانك.. واهتمام فكرٍ؛ لا يضيق بحكمتك ورويتك وتمهّلُ أفكارك.. وانضباط معانيك..

وعلى محطة الفراغ ربّما تغفو.. ولمحطات اللذّة تفتقد.. ولا تقرأ إلا عناوين صالات الرحيل.. التى ترحب بك وبأمثالك..

،،،،

هل أتى المساء حقاً..؟

أم نحن نسرع فى انتظار الرحيل..؟

ولم يعد كبار السنّ.. لا جدوى من أرفف الخبرات.. ولا شىء يعنى نِتاج رؤايات الإبداع..

ولا قيمة لذوى الهبات الخَفِيّة.. ولا طائل مِنْ روح ثريّة.. ولا وزن لروعات الروح المستترة أمام لذّة الجسد المرئيّة..

إنما كخيل الحكومة العجوز ـ التى ترى أنها لا نفع منها ـ صِرْنا..

وننتظرُ جائزة الرّحمة آخر الدّرب؛ فدُفعنا.. و

ولكبرياء فى قدر الله لا ينكسر؛ أبينا..!

والغريب..

عندما تتقبّل الحُكْم.. وبكُلّ شجاعة تفتحُ نافذة المَوْت.. وتتلقّى الرصاص بصدرك تندهشُ..

فمن يمسكُ بالسلاح يده مرتعشة.. وأمام هَيْبة آثار كَدّك.. يترنّحُ من شِدّة الخَوْفِ.. وقد يأسف..

لأنّه  كان من مُرْتادى رِيَاضك.. وعُشّاق ورورد بستانك.. ولم يساهم فى العَسّ والعبث بغيْث روحك..

تسأله:

ـ هل استحقّ المَوْت..؟

هل تملكُ أنْ تعطى كما بالأمس كُنْت..؟

أو لديك أكثر مِمّا هو مِنّى تعلّمت.. وأبدعت.. وعَنّى تستغنى ورميتُ..

يهمسُ:

ـ سيدى..

إنى أنفذّ  الأمر..

أعذرنى..؟

أُمِرتُ  فلبّيت..!

....