من فات قديمه: يوسف إدريس.. الثائر المحتج دائمًا

من فات قديمه: يوسف إدريس.. الثائر المحتج دائمًا

الكاتب : لوتس عبد الكريم |

09:21 pm 06/09/2019

| مقالات

| 231


لم أعرف يوسف إدريس أثناء إقامتى الطويلة خارج مصر مثلما عرفت الكثيرين من الكتاب والفنانين من جيل الرواد فى الرواية والقصة القصيرة والمسرح والموسيقى والغناء والفن التشكيلى. وحين كنا نستعد لإصدار مجلة «الشموع» الثقافية التى كان الهدف الأساسى من إصدارها هو البحث عن الجمال فى الأدب والفن والحياة- اقترح الكاتب أحمد بهاء الدين الذى رأس تحرير «الشموع» التى أسستُها سنة 1986 ميلادية اختيار يوسف إدريس؛ ليكون العمود الفقرى للمجلة حيث كان يكتب مقالًا، ويقدم كاتبًا جديدًا، أو كاتبة جديدة، ثم يرد على رسائل القراء وعبر مشاركاته فى «الشموع» عرفت يوسف إدريس عن قرب معرفة وثيقة، وتبادلنا الزيارات العائلية، وكان يذهب معى دائمًا الأستاذ أحمد بهاء الدين (1927 – 1996 ميلادية)، حيث كانا صديقين، ثم كانت اجتماعاتنا الأسبوعية لمناقشة خطط الأعداد المقبلة للمجلة، والاقتراحات المقدمة لكل عدد وعرفت أسرة يوسف إدريس، زوجته السيدة رجاء وهى فنانة شديدة الذكاء، عميقة الخبرة والتجربة، كانت تحتضن موهبة كبيرة واستثنائية، وتتحمل فى تعقل قوة انفعالاته وتقلباته، وتمنحه الراحة والفهم والحنان. كما عرفت أولاده سامح، ثم بهاء، رحمه الله، ثم نسمة الجميلة الموهوبة، والتى عشقها والدها عشقًا عظيمًا وقد عاش يوسف إدريس ثائرًا أبدًا محتجًا على الأوضاع عاشقًا لمصر حتى النخاع متبنيًا مشكلاتها وقضاياها فى ثورة وجموح وإخلاص.

لقد اعتاد يوسف- فى مجال الحديث عن تفضيله الأدب على الطب- إدانة ضيق مجال الدراسة الطبية وغياب إمكانية الإبداع فيها، لكن هذه الدراسة هى التى أمدته من حيث لا يدرى بالأداة التى ساعدته على إنجازه المتنوع والغزير. كما أن الاهتمام بعلم النفس والطب النفسى، هما اللذان دربا يوسف على الاهتمام بالأعماق السيكولوجية لشخصيات أعماله الروائية والقصصية والمسرحية، والصراعات الداخلية والآلآم التى يعانونها، وكشف الدوافع التى تحرك شخوصه داخل النصوص. لقد استخدم يوسف منهج الطب فى التشريح والتفسير، ثم فى الكشف عن خبايا النفس الإنسانية. فلم يكن يوسف إدريس يفصل بين الكلمة والفعل، فإذا لم تتحول الكلمة إلى فعل فلا لزوم لها، ومن هنا كانت مقالته التى كتبها عن الكاتب الروائى اليابانى يوكيو ميشيما واسمه الحقيقى كيميتاكى هيراوكا (14 من يناير 1925 ـ 25 من نوفمبر 1970 ميلادية)، وقد رشح لجائزة نوبل فى الآداب ثلاث مرات، والذى انتحر بطريقة هارا كيرى، أى قطع الأحشاء، عندما اكتشف عدم جدوى ما يكتب فى نفوس اليابانيين، الذين تركوا أصالتهم العريقة، وانجرفوا وراء التيارات الغربية الوافدة وكان لسان حال يوسف إدريس يقول فى آخر مقالته: (إذا كان اليابانى يوكيو ميشيما، الذى يعيش فى بلد ينطلق بسرعة الصاروخ إلى مقدمة الدول المتفوقة فى العلم والتكنولوجيا.. والذى أغرق بإنتاجه كل ثقب فى الأرض من مشارقها إلى مغاربها، هذا الكاتب والشاعر والمسرحى والممثل والمخرج ينتحر لعدم جدوى ما يكتبه، فماذا أفعل أنا يوسف إدريس، وأنا أكتم غيظى، وأواصل الكتابة وسط قوم يأخذون من التخلف شعارًا لهم، ويطبقونه بكل إصرار فى كل مناحى حياتهم؟ ما الذى يمكن أن تفعله الكلمة وسط قوم كهؤلاء؟ لكن المرارة لم تكن دائمًا بهذه الشدة فى حلق يوسف إدريس. فأحيانًا تومض فى عينيه أصالة الشعب المصرى من خلال حدث يمر به؛ فهو يحكى فى إحدى مقالاته كيف كان منطلقًا بسيارته لإصلاح المصباح الذى بدا وكأنه على وشك أن يسقط.. فإذا بكل راكبى السيارات والتاكسى والأوتوبيسات المنطلقة حذو سيارته يصرخون منبهين إياه بما سوف يقع لسيارته، وكأن الأمر يخص كل واحد منهم على حدة.. روح تآلف حميم وعجيب دفعه إلى كتابة مقالة طويلة تغنَّى فيها بأصالة هذا الشعب.

ومع ذلك كانت هذه لحظات نادرة وعابرة فى حياة قلم يوسف إدريس. فترات الهمود والخمود فى البركان المتجدد كانت بمثابة لحظات كمون وتحفيز لانفجارات جديدة ومتواصلة. ولم تتوقف حمم البركان الإدريسى على مظاهر السلبية والبلادة عند الناس العاديين، بل تدفقت لتشمل الحياة الثقافية فكتب مقالين فى منتهى الأهمية الأول بعنوان (مولد الكتابة فى مصر) والثانى (أهمية أن نتثقف يا ناس)، نشر فى التاسع من يوليو عام 1984ميلادية بالأهرام، والذى سيختاره عنوانا لكتاب ضم عددا من مقالاته التى نشرها فى جريدة الأهرام، إذ كان دائم الثورة على الجمود والتقليد الأعمى.. ومن الواضح أنه بمسرحية (الفرافير)- التى نشرت طبعتها الأولى سنة 1964 ميلادية، وتضمنت بيانه الأشهر «نحو مسرح مصرى»- قد فتح باب التجريب على مصراعيه بكل جرأة، وكان وعى يوسف إدريس حادًا لدرجة أن صورته هى صورة رجل لا ينام، وكانت طاقته النقدية لا تتراجع فى أشد المواقف حرجًا فعند رحيل جمال عبدالناصر كتب مقالة قصيرة فى جريدة الأهرام قال فيها: (أبناؤك وإخوتك الفقراء يا جمال هرعوا من كل صوب لوداعك) وبرغم حب يوسف إدريس لجمال عبدالناصر ورغم الوداع الحار لم يفته أن يلمح بأن عبدالناصر تركهم فقراء.. رغم أن حكمهم طوال ثمانية عشر عامًا.

لقد حمل يوسف إدريس هموم مصر على كاهله قبل أن يحمل همومه الخاصة.

http://loutskarim@hotmail.com