Wed,23 Oct 2019

عثمان علام

أحمد رجب لا يُنسى!

أحمد رجب لا يُنسى!

الكاتب : صفية مصطفى أمين |

01:27 pm 13/09/2019

| رأي

| 322


سُخرية الكاتب الراحل «أحمد رجب» كانت سريعة مثل المدفع الرشاش، ولكن الفرق بينها وبين المدفع الرشاش أنها تجرح ولا تقتل. كان كالفارس النبيل يقاتل الحكام وهم فوق الحصان، فإذا وقعوا من فوقه، توقف فورًا عن حربهم، واشترك فى تضميد جراحهم. كان فريدًا فى أسلوبه، بعد أن اكتشف أسلوبًا سحريًا عبقريًا. فكان يرسم ابتسامة بكلمات ساخرة مقتضبة على شفاه القارئ، تنتقل سريعا إلى قلبه وعقله!، وكان الذين يهاجمهم لا يستطيعون أن يكرهوه أو يقاطعوه، بل الغريب أنه كان عندما يلتقى مصادفة بواحد منهم يتردد أن يصافحه أو يقترب منه، فإذا بالرجل الذى انتقده يأخذه بالأحضان.

كان الملايين ينتظرونه كل صباح داخل عمود نصف كلمة، لأنه كان يرى الأحداث بعيونهم ويعبر عن أحلامهم، ولقد كانت كتاباته لا تهدف إلى التسلية. كان يقدم نقدا سياسيا واجتماعيا. ويوظف أفكاره وثقافته ويمزجها بالرأى العام، ليصل إلى أعلى درجات النقد للأحداث الجارية، ولذلك ظل طوال ستين عاما من أهم الساخرين بين أبناء جيله، ومن أهم المبدعين الذين أنجبتهم مصر.

اخترع عددا من الشخصيات مازالت تعيش معنا، ويَضرب بهم الناس المثل إذا أرادوا التعبير عن أوضاع مقلوبة. ومن أبرز هذه الشخصيات المنافق «عباس العرسة» فى الحكومة، و«عبدالروتين» الذى يمثل البيروقروطية، و«عبده مشتاق» الذى يسعى للوصول للمنصب بأى ثمن، و«كمبورة» السياسى الفاسد، و«جنجح» البرلمانى، و«عقدة» واضع الامتحانات وقاهر التلاميذ.

ومن المعلومات التى لا يعرفها الكثيرون أن أحمد رجب كتب للإذاعة قصة حياة موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب ومنيرة المهدية وروزاليوسف. وكتب للسينما قصة «شىء من العذاب» بطولة سعاد حسنى ويحيى شاهين وحسن يوسف.. وهى قصة رومانسية تناقش مشاعر إنسانية راقية بأسلوب بالغ الرقة، كشف لنا جانبًا مجهولًا فى شخصية الإنسان أحمد رجب.

تربى أحمد رجب فى بيت جده «بدير» بعد وفاة والده، وقد كان مبهورًا بحكاياته عن بطولاته فى ألعاب القوى، وقد تملكته رغبة فى ممارسة نفس الرياضة، وأصبح فى شبابه بطلا مرموقا فى رمى القرص. تأثر بجده دون أن يشعر، حتى إن جدته كانت تقول بعد وفاة الجد إن أحمد هو نسخة باقية منه شكلًا وموضوعًا.

كل من عرف أحمد رجب بشكل شخصى أكد خفة دمه، وتفرد أفكاره وموهبته الفذة. فوالدى مصطفى أمين كان يؤمن بموهبته الصحفية، وقال: «إذا كتب أحمد رجب فى مجلة إسلامية يوقع أحمد رجب. وإذا كتب فى مجلة مسيحية يكتب توقيع أحمد أغسطس. وإذا كتب فى مجلة عبرية يكتب أسمه أحمد أيلول!».

أحمد رجب لم يكن لديه فريق من المتخصصين الذين ينقبون ويحللون ويبحثون له قبل أن يكتب.. لأنه كان وحده مؤسسة سخرية كاملة!.

.