Wed,23 Oct 2019

عثمان علام

اعتزال الناس أم الصبر عليهم؟

اعتزال الناس أم الصبر عليهم؟

الكاتب : أيمن الجندي |

01:43 am 14/09/2019

| رأي

| 532


فى البدء يكون الإنسان لامعًا منتعشًا كسيارة خرجت لتوها من خطوط الإنتاج، براقة زاهية الألوان بدون خدش واحد. ثم ما تلبث هذه السيارة- كما الإنسان- أن تخرج إلى مطحنة الحياة، فيعلوها التراب ويعتريها الصدأ والضربات الجانبية المتتالية من الاحتكاك بالسيارات الأخرى.

الحياة صعبة، وأصعب ما فيها أننا من نصنع صعوبتها بأيدينا. وبدلًا من أن نقضى حياتنا القصيرة فى السرور والرضا، فإننا ننفقها فى جعل حياة مَن حولنا أصعب. لذلك لا عجب أن يسرى الاكتئاب فى المجتمع كسريان النار فى الهشيم. يقبض الحزن قلوبنا بمخالب حديدية، وينهال على أرواحنا كالمرزَبّة.

بالتدريج تبدأ أنت الآخر فى الانسحاب. تتزايد هشاشتك وتفقد بشاشتك وتدرك بالتدريج أنك قد تعبت من الناس مثلى. تعبت من «المِهاتِيَّة» و«القَمْص» وافتعال المشاكل، وتحتار مثل حيرتى: هل تصبر على الناس أم تعتزلهم؟

لا شك أن الأصل هو الصبر على الناس والتلطف معهم. هذا فعل الأنبياء، ورسول الإسلام، صلى الله عليه وسلم، كان يعطى وجهه كله لمَن يريده. لكن هناك محاذير يجب أن ننتبه إليها. وهى أننا نقابل طيلة الوقت أناسًا يعانون عُسر المزاج، يُصدِّرون لك الطاقة السلبية، وقد يُشعِرونك طيلة التعامل معهم بالذنب والتقصير تجاههم. والعجيب أننا نعاملهم أفضل من معاملتنا للطيبين الودعاء، نحْذَر إغضابهم، ونثقل على الطيبين الذين يدفعون ضريبة «حُسن الخلق».

عن نفسى وصلت الآن إلى قناعة بأنه مع التسليم بأن الصبر على أذى الناس هو خلق الأنبياء الأَوْلَى بالاتباع، فإننى لم أعد أستطيع أن أتحمل أكثر. لذلك أنصحكم بأن تحذفوا من حياتكم كل مَن يُصدِّر لكم طاقة سلبية أو يُشْعِركم بالذنب والتقصير.

ولكن ماذا نفعل لو ابتلانا الله بأقارب من هذه النوعية؟ هل نقطع صلة الأرحام معهم؟ أعتقد أن أفضل شىء هو التعامل بحذر وشياكة دون اقتراب حميم يجلب المشاكل. مع عقد نية الصبر قدر الاستطاعة.

أما الوالدان فهما من دون الناس شىء آخر. مهما ضايقاك عليك بالتحمل. ليس فقط لأنهما أنجباك وربياك صغيرًا، ولكن لأنه لا يوجد أمامك اختيار آخر، فالله تعالى جعل الإحسان إليهما فى المرتبة التالية للتوحيد مباشرة: «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا». لاحظ كلمة «قضى»، أى أنه قضاء مبرم من الخالق جل فى علاه. وتأمل أيضًا قوله تعالى: «واخفض لهما جناح الذل من الرحمة»، أى أنك- من فرط رحمتك بهما- وصلتَ إلى حد الذل لهما! فحتى لو كان والداك مُتْعِبَيْن فتَحَمَّلْهما طاعة وعبودية لمَن خلقك.

وهكذا تجدون أنه ليس لنا فى الدنيا ولا الآخرة إلا مَن خلقنا. له- سبحانه وتعالى- ولاؤنا الوحيد وحبنا الكامل. أما مَن سواه- كائنًا مَن كان- فحبنا له يزيد وينقص، وقد يتحول بسوء المعاملة إلى كراهية.