Fri,18 Oct 2019

عثمان علام

كلمتين ونص...أناشيد الإثم والبراءة

كلمتين ونص...أناشيد الإثم والبراءة

الكاتب : عثمان علام |

01:05 am 01/10/2019

| رئيس التحرير

| 1046


من كتابه "أناشيد الإثم والبراءة " يقول الدكتور مصطفى محمود رحمهُ الله . .ُكلنا نخرج من الدنيا بحظوظ متقاربة برغم ما يبدو في الظاهر من بُعد الفوارق.. وبرغم غنى الأغنياء و فقر الفقراء فمحصولهم النهائي من السعادة و الشقاء الدنيوي متقارب ، فالله يأخذ بقدر ما يعطي و يعوض بقدر ما يحرم و ييسر بقدر ما يعسر.. و لو دخل كل منا قلب الآخر لأشفق عليه و لرأى عدل الموازين الباطنية برغم اختلال الموازين الظاهرية..و لما شعر بحسد ولا بحقد ولا بزهو ولا بغرور .
إنما هذه القصور والجواهر والحلي و اللآلئ مجرد ديكور خارجي من ورق اللعب.. وفي داخل القلوب التي ترقد فيها تسكن الحسرات والآهات..والحاسدون و الحاقدون والمغترون والفرحون مخدوعون في الظواهر غافلون عن الحقائق ، ولو أدرك السارق هذا الإدراك لما سرق و لو أدركه القاتل لما قتل و لو عرفه الكذاب لما كذب .. و لو علمناه حق العلم لطلبنا الدنيا بعزة الأنفس ولسعينا في العيش بالضمير ولتعاشرنا بالفضيلة فلا غالب في الدنيا ولا مغلوب في الحقيقة ، و الحظوظ كما قلنا متقاربة في باطن الأمر ومحصولنا من الشقاء والسعادة متقارب برغم الفوارق الظاهرة بين الطبقات.. فالعذاب ليس له طبقة وإنما هو قاسم مشترك بين الكل.. يتجرع منه كل واحد كأساً وافية ثم في النهاية تتساوى الكؤوس برغم اختلاف المناظر و تباين الدرجات و الهيئات .
و ليس اختلاف نفوسنا هو اختلاف سعادة وشقاء وإنما اختلاف مواقف.. فهناك نفس تعلو على شقائها و تتجاوزه و ترى فيه الحكمة والعبرة ، وتلك نفوس مستنيرة ترى العدل والجمال في كل شيء وتحب الخالق في كل أفعاله.. و هناك نفوس تمضغ شقاءها وتجتره و تحوله إلى حقد أسود وحسد أكّال .. و تلك هي النفوس المظلمة الكافرة بخالقها المتمردة على أفعاله .
وكل نفس تمهد بموقفها لمصيرها النهائي في العالم الآخر.. حيث يكون الشقاء الحقيقي ..أو السعادة الحقيقية .. فأهل الرضا إلى النعيم وأهل الحقد إلى الجحيم .. أما الدنيا فليس فيها نعيم ولا جحيم إلا بحكم الظاهر فقط بينما في الحقيقة تتساوى الكؤوس التي يتجرعها الكل .. والكل في تعب ، إنما الدنيا امتحان لإبراز المواقف .. فما اختلفت النفوس إلا بمواقفها وما تفاضلت إلا بمواقفها ، وليس بالشقاء والنعيم اختلفت ولا بالحظوظ المتفاوتة تفاضلت و لا بما يبدو على الوجوه من ضحك و بكاء تنوعت...هكذا تكون الدُنيا .