Fri,18 Oct 2019

عثمان علام

نيفين مصطفى تكتب: أبناء القسوة

نيفين مصطفى تكتب: أبناء القسوة

07:18 pm 08/10/2019

| مقالات

| 1212


 
هناك مرض خطير أسمه " قسوة القلوب "، ذهاب اللين والرحمة والخشوع من القلوب، قال تعالى ( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة ) فالقلب القاسي أبعد ما يكون من الله، وصاحبه لايميز بين الحق والباطل، ولا ينفع معه موعظة، ولا يقبل نصيحة ؟
حين تتحول الفطرة وتنقلب على أعقابها، وعندما يصبح الأبوان مصدر الأمان والاطمئنان، مصدراً للخوف والرعب والتدمير لأبنائهم، آباء وأمهات يتعمدون الإيذاء الجارح ماديا ومعنويا لأبنائهم، وحين يزداد الطين بلة وتصل الطامة الكبرى إلى أن نسمع عن جرائم قتل للأبناء على أيد آبائهم، مهما كان مبررهم إن كان لهم مبرر من الأساس، حينها ندرك يقينا أننا نسير بخطى مسرعة إلى الهاوية وندرك أن العالم العربي والإسلامي يحتاج إلى جهد خارق لا يكل ولا يمل من المربين والعلماء ليحافظوا على ما تبقي للأمة من أخلاق وقيم ومبادئ.
لقد أوصى الله سبحانه وتعالى كل إنسان بالقيام بطاعه أبيه وأمه وحسن رعايتهما بينما لم يوصى الاب على أبنائه، وذلك لأن الانسان لا يحتاج في معاملة أبنائه إلى وصية فهي فطرة فطر الله عليها الناس بل كل المخلوقات ولا تحتاج إلى مُذكر يذكر ويوصى بها.
إن عددا غير قليل من أبناء الأمة يعانون من استخدام آبائهم أسلوب الضرب الشديد والمبرح والجارح والمهدر للكرامة كوسيلة عقابية أو تأديبية لا تخضع لقانون ولا تنظيم ولا هدف، ومنهم من يستخدم يده وقوته، ومنهم من يستخدم وسائل لا يستعملها إلا المجرمون في تعذيب ضحاياهم .
ومثل هذا كثير في مجتمعاتنا التي تزداد فيها نسبة ضرب الأبناء كسلوك متبع ووحيد لتقويمهم أو لمعاقبتهم او الانتقام منهم على الرغم من تحذير المربين من استخدامه كوسيلة وحيدة أوالافراط فيه عند استخدامه .
إن الكثير من الأبناء الآن يصرخون ويطلبون الإنقاذ من تلك المعتقلات التي دخلوها بلا جريمة محددة وبلا عقوبة واضحة وينتظرون الفرصة للخلاص من كان يفترض فيهم أنهم حصن الأمان وموئل الراحة والسعادة.
فهل تعلموا أن تعرض الآباء للضرب من آبائهم وهم صغار
فلا يجدون خيارا مع أبنائهم سوى الاستمرار على نفس النهج الذي كان مرفوضا منهم قبل ذلك، فقد أصبحت عدوانية موروثه، وهذه العدوانية تظهر في المظهر الانتقامي الذي يتعامل به الآباء مع أبنائهم حين يضربونهم حيث لا يبينون لهم سبب الضرب ولا يعلمونهم بالخطأ الذي ارتكبوه كي يتجنبوه بعدها، وأيضا تظهر في القسوة الشديدة التي تصل إلى إحداث الجروح وإهدار الكرامة على مرأي ومسمع من الجميع مع التجاهل التام للتأثير النفسي السلبي لهذا السلوك على نفسية أبنائهم، فضعف الثقافة التربوية وإهمال نصائح المربين، وضغوط الحياة وتنفيس الكبت من أسباب العنف.
فلابد من سيطرة الغضب، فالغضب سمة بشرية لا ينفك الإنسان عنها ولكن الاسلام وجهنا لتوجيه الغضب لا لمنعه بالكلية ووأمرنا بملك النفس، فالشديد هو من يملك نفسه عند الغضب، وكظم الغيظ عند القدرة على إنفاذه، وخاصة مع الضعيف مثل الزوجة والأبناء، "
ومن ثم، فإن على الآباء أن يحرصوا على بر أبنائهم إن أرادوا أن يبرهم أبناؤهم، ولا يُتوقع بر من أبناء تُركوا بلا تربية ولا تعليم ولا توجيه ولا مراقبة. فيا أيها الآباء بروا أبناءكم يبروكم، فإن عققتموهم فلا تستعجبوا عقوقهم، فكما تدين تدان، وضعوا نُصب أعينكم قول النبى صلى الله عليه وسلم: (ألا كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذى على الناس راعٍ، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته، وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهى مسؤولة عنهم، والعبد راعٍ على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته).
وفى النهاية، إن العنف يؤدى إلى أعظم المفاسد الاجتماعية إذا أصبح هو السلوك الوحيد للمربي في التعامل. فيفقد الولد الحضن الذي يمنحه الأمان والاطمئنان ومن ثم يؤدى إلى الإحساس بالضياع ويؤدى إلى التخبط والتمرد على الوالدين والعقوق، وإذا تطورت الأمور يؤدى إلى التفلت والانحلال والهروب من بيت الأسرة والارتباط بمن يعوضه عن الحرمان العاطفي خارج البيت؛ مثل أصحاب السوء أو الرفقاء الفاسدين ومن ثم فقدان الهدي القرآني والصراط المستقيم. وبهذا تفقد الأمة أحد أفرادها الذين كان من الممكن أن يصبحوا فخر هذه الأمة بخُلُقهم الراقي وإنجازهم العلمي وعلاقاتهم الاجتماعية المتحضرة.