Thu,14 Nov 2019

عثمان علام

خيري حسن يكتب : د.سعيد اللاوندي وحديث الغرفة (422)!

خيري حسن يكتب : د.سعيد اللاوندي وحديث الغرفة (422)!
الكاتب خيري حسن

11:31 pm 18/10/2019

| رأي

| 627


"على المرء أن يعمل ـ إذا كان يريد أن يعيش حياة طيبة ـ بحب وإيمان"! (الكاتب أنطوان تشيخوف)

القاهرة ـ 2006)
كانت الساعة، قد تجاوزت الرابعة من عصر يوم الثلاثاء 20 يونيو من نفس العام، عندما وقفت أمام موظف الاستعلامات بالمبنى الرئيسى لصحيفة الأهرام العريقة. الموظف ينتهى مسرعاً من تفحص هويتى الشخصية، التى بين يديه. ثم ينظر لى مبتسماً قائلاً: الأستاذ سامى فريد فى مكتبه بالدور الرابع. ثم سألنى بعدما اختفت الإبتسامة من فوق وجهه: هل تعرف أين الدور الرابع يا أستاذ؟ قلت: سوف أسأل عند باب الأسانسير! مد يده واعطانى بطاقة تعارف، تعلق فى رقبة الضيف، ممهورة برقم، واسم الأهرام. وضعتها فى صمت بجيبي، وترجلت مبهوراً، ومسحوراً ـ هذا الإبهار، وهذا السحر، كان يتكرر كلما، ذهبت إلى الأهرام حتى سنوات مضت ـ بهذا المبنى الجميل، الذى كان يُعد حلم من أحلام كل من أحب مهنة الصحافة فى يوم من الأيام. بعد ثوان وقفت أمام الاسانسير لدقائق قليلة، توافد خلالها العديد من الشخصيات ـ أغلبهم من أبناء الأهرام ـ يرتدون البدلات الشيك، والكرافتات المستوردة، والبرفانات غالية الثمن. لفت انتباهي انهم يقفون صامتين، لا يتحدثون كثيراً مع أحد. وينظرون للغرباء ـ وأنا منهم ـ نظرة فاحصة، ومتجهمة، وقاسية أحياناً. بعد ثوان جاء من بعيد رجل أعرف ملامحه، لكننى لا أتذكر اسمه. يرتدي بدلة زرقاء أنيقة، ونظارة طبية سميكة، ووجهه مبتسماً، وحركته خاطفة، وواثقة. وسريعة. جاء الأسانسير، فأخذ مكانه بجوارنا، وسلم على الجميع، بحب، وود، وسعادة ظاهرة فى نبرات صوته. الجميع ردوا عليه السلام والتحية بنفس الحفاوة الشديدة. عند الدور الثالث توقف بنا الأسانسير، وخرج هو مسرعاً مصحوباً، بوداع حار من الجميع. فى الوقت الذي قال له شخصاً ما، كان يقف بجواري: "ابقى خلينا نشوفك يا دكتور سعيد"! قلت بيني وبين نفسي : إذن هذا هو الدكتور سعيد اللاوندي(1955 - 2019) مراسل الأهرام لسنوات طويلة فى باريس، والذى كنت اتابع رسائله الصحفية المتميزة من هناك على مدار سنوات عديدة مضت.
***
(مبنى الأهرام ـ الدور الربع)
الساعة الآن الخامسة من مساء ذلك اليوم. حيث أجلس فى الحجرة رقم (422) بالدور الرابع مع "سامى فريد" أحد الأساتذة الكبار فى مهنة الصحافة المصرية، الذين لهم فضل على العديد من الصحفيين - وأنا واحد منهم - والمشرف العام على سكرتيرية التحرير فى ذلك الوقت. يجلس بجوارنا د. إسماعيل إبراهيم الكاتب الصحفى بالأهرام. بعد قليل بدأ سامى فريد يحدثنا عن ذكرياته مع الأديب الراحل يحيي حقى، وزمنه، وعصره، وكتاباته، وانسانيته، التي نفتقدها اليوم فى حياتنا الثقافية والصحفية. كان الرجل يحكى لى هذا، من باب رفع روحى المعنوية، حيث كان يرانى كاتب ضل طريقه للصحافة، خاصة وهو نفسه أديباً، جاء للصحافة من أرضية ثقافية، وصدرت له عدة مجموعات قصصية من قبل.ثم تحدث بتعجب، ودهشة، واستفهام، عن الأمراض التى طالت مهنة الصحافة، والثقافة، مثل المحسوبيات، والمجاملات، وقتل الموهبة، وتدميرها، الأمر الذي جعل مئات المواهب تُقتل، وتدفن، إلى غير رجعة فى شتى المجالات الإبداعية خلال السنوات الفائتة. بعد دقائق رفع سماعة الهاتف التى بجواره وقال بصوته الهادئ: يا "كينا"ـ هذا اسم الشهرة لعامل بوفيه صالة تحرير الأهرام ـ من فضلك نحتاج ثلاثة شاى مظبوط وفنجان قهوة سادة. بعد دقائق أخري داخل علينا د. سعيد اللاوندي بنفس ابتسامته التى رأيتها على وجهه فى الأسانسير قبل قليل. رحب به الحضور، ثم جلس. وبدأ الحديث، وامتد، وتشعبت محاوره الرئيسية، والجانبية فى السياسة الخارجية والداخلية، حتى وصلنا إلى الصحافة و"سنينها"! بعد دقائق سكت د. سعيد ثم قال: هل تتصور يا سامي؟ أن وزارة التربية والتعليم ـ أو بمعنى أدق مديرية التربية والتعليم بمحافظة الدقهلية ـ حجبت نتيجة طالبة فى الصف الأول الثانوي، بمدرسة شربين الثانوية للبنات، لأنها انتقدت فى موضوع التعبير الرئيس الأمريكي وسياسة بلاده فى منطقة الشرق الوسط؟ رد سامى فريد: هذا موضوع مقالك القادم يا دكتور.. أليس كذلك؟ رد: لا اعتقد أن السياسة التحريرية فى الأهرام ستسمح بالنشر! ثم قال بحزن واضح فى صوته: والد الطالبة صديق لى وأديب من أدباء المنصورة واتصل بى حزيناً، وخائفاً، ومتوتراً، ومستنجداً، حتى أساعده فى إنقاذ ابنته، واعلان نتيجتها حتى لا يضيع مستقبلها، وأنا للأسف أكثر منه حزناً؛ لأننى مكتوف الأيدي، ولا أستطيع مساعدته! ثم بدأ صوته يرتفع وهو يحدثنا عن الفرق بين الحريات فى الشرق والحريات فى الغرب. وبين التعليم هناك والتعليم هنا. وبين الديمقراطية هناك والقهر هنا. وبين الصحافة هناك والصحافة هنا. وببن الطالب هناك، والطالب هنا. كان الرجل يحدثنا - بالطبع - من واقع تجربته فى فرنسا، التى سافر لها آواخر السبعينيات، ليدرس فيها الاقتصاد السياسي والفلسفة فى جامعات باريس. هنا نظر لى سامى فريد، فوجدنى منتبهاً بشدة للحوار، الدائر بينهما، فى الوقت الذى كان فيه د. إسماعيل إبراهيم منهمكاً على مكتبه، بمجموعة أوراق أمامه، وكتاب ضخم، لا أذكر اسمه الأن. بعد لحظات دخل عامل البوفيه " كينا" بابتسامته الهادئة، وجسده النحيل، ووضع المشروبات أمامنا، وغادر الحجرة مسرعاً. بعدها بقليل امسك سامى فريد بفنجان قهوته، وأسند ظهره لمقعده. وقال: إذن الحل عند هذا الفتى. وأشار بيده ناحيتي! ثم واصل كلامه قائلاً: هذا موضوعك يا أستاذ للنشر فى صحيفة الوفد. نظر د. سعيد اللاوندي لى وهو يتفحصنى بدهشة، بعدما عادت الابتسامة إلى وجهه الغاضب. وقال ساخراً: حال الوفد ربما يكون مثل حال الأهرام. ثم قال بهدوء: عموماً حاول، وأن وافقت أسرة تحرير الوفد، على نشر الموضوع، فهذا رقم هاتف والد الطالبة وعنوانه، وأن أردت أى تفاصيل أخري، اتصل بى على الفور! ***
(الدقى ـ 2006 )
عدت مسرعاً إلى مبنى صحيفة الوفد. على البوابة الرئيسية وجدت عباس الطربيلى - رئيس التحرير حينذاك - فى طريقه للخروج بسيارته. استوقفته طالباً منه الموافقة على سفري الآن إلى محافظة الدقهلية، لعمل تحقيق صحفي عن قضية تلك الطالبة وأسرتها. نظر لى من شباك السيارة بلا اهتمام. وقال بكلمات باردة ليس فيها أي حماس للقضية: غداً سوفً نتحدث فى هذا الموضوع، ونري أهمية نشره من عدم نشره. ثم قال للسائق متعجلاً: على العجوزة يا ابنى. ثم تركني حتى من غير وداع! لم أيأس وصعدت إلى مبني الصحيفة، فوجدت سيد عبد العاطي مدير التحرير فى مكتبه. قلت له غاضباً وشارحاً أهمية الموضوع وخطورته. وقبل أن أكمل كلامى، وجدته يتصل بمجدى حنا( رئيس قسم التصوير ) ثم اتصل بأحد السائقين وقال لهما: لديكم سفر الآن للمنصورة ثم أغلق الخط! وقال لى: اتفضل يا أستاذ! السيارة والمصور فى انتظارك!
***
( المنصورة ـ 2006 )
وصلت إلى منزل الطالبة الآء فرج مجاهد عند الساعة التاسعة من نفس المساء، وأجريت معها ومع ابيها ووالدتها، الأحاديث المطلوبة وتركت لهم الحرية ليقولوا ما أرادوا قوله. عدت للقاهرة فى الواحدة من صباح اليوم التالى. وجلست إلى مكتبى وكتبت الموضوع تحت عنوان ( إعدام طالبة ثانوي فى الدقهلية، لأنها انتقدت السياسة الأمريكية). فى الصباح انطلقت للصحيفة، فاستقلبني سيد عبد العاطي مدير التحرير، بسعادة شديدة، وقام مسرعاً برسم الموضوع على نصف صفحة كاملة، بعدما استبدله، ووضعه، مكان موضوع آخر، ليُنشر فى اليوم التالى( بعدد الوفد الاسبوعي). وما هى إلا ساعات قليلة، حتى انقلب الرأى العام فى مصر، ونقلت وكالات الأنباء الموضوع للعالم أجمع. واستدعت وزارة التربية والتعليم الطالبة (الآء) ووالدها واستقبلهما د. حسين كامل بهاء الدين -الوزير وقتها- بمكتبه. وعند الساعة الواحدة من بعد الظهر ذلك اليوم، اتصل الرئيس الأسبق مبارك بالطالبة، على خط مبني ديوان الوزارة بمكتب الوزير. وقال لها ـ حسب تصريحها للصحف وقتها ـ "لا تخافى، واكتبى ما تحبين كتابته، وانتقدينى أنا شخصياً وليس الرئيس الأمريكي فقط" بعدها تحولت قصة الآء إلى قضية رأى عام فى مصر وربما فى العالم كله. المدهش بالنسبة لى وقتها أنه لم يذكر أحد اسم د. سعيد اللاوندي رغم إنه مفجر هذه القضية، ولم يهتم هو نفسه بالإعلان عن ذلك، لتتحول الطالبة وأسرتها إلى شخصيات عامة، تطاردهم الصحف ووسائل الإعلام المحلية والدولية، لأسابيع وشهور عديدة. أما أنا فقد حصلت على مكأفاة تميز من الصحيفة قدرها 50 جنيهاً ـ اصبحت 45 فقط بعد خصم 10 % ضرائب ـ وعندما علم " اللاوندي" بتلك المكافأة الهزيلة، ضحك حتى كاد الهاتف يسقط من يده وهو يقول لى: سأنتظرك غداً فى الأهرام لا تتأخر عن الساعة الثانية ظهراً! ***
( مطعم الأهرام ـ 2006 )
كانت الساعة تشير إلى الثالثة من مساء ذلك اليوم، عندما قدم لى كوب الليمون البارد ـ قبل الطعام الذى جاء متأخراً بعض الشئ ـ بعدما لاحظ انزعاجي، وتوتري، وغضبى، من مهنة الصحافة، ووضعها المرتبك، وانتشار ضعاف الموهبة والنفوس بين جنباتها، وتحكمهم فى كافة مفاصلها. ثم رد علىّ مكالمة قصيرة استقبلها هاتفه، قبل أن يسند ظهره لمقعده، ويحدثني بهدوء كان واضحاً على ملامحه عن رحلته إلى فرنسا التى واجه فيها هناك صعوبات شديدة، ومعقدة، ومؤلمة أحياناً، أثناء دراسته، وعمله بعد ذلك. وكيف تربص به المتربصون، وحقد عليه الحاقدون، واغلقوا فى وجهه النوافذ، وسدوا كل الطرق حتى لا يعمل، ولا يكتب، ولا يراسل الأهرام من هناك؟ وكيف ظل لسنوات عديدة يكتب المواد الصحفية للأهرام ويُوضع عليها اسم غيره، بغرض جعله ييأس، ويمل، ويترك الصحافة التى يحبها. لكنه ـ حسب قوله ـ تمسك بحلمه، وأمله، وتحمل، وكافح، وصبر، وحاول، المرة تلو المرة، حتى فتحت له الأهرام صفحاتها من هناك. وفرض نفسه على الجميع. وبدأ ينشر حوارات صحفية وصلت إلى درجة السبق المهني مع مفكرين من الوزن الثقيل أمثال: جاك بيرك، ومحمد أركون - وهو صديق شخصي لهما - وبرهان غليون، وأمين معلوف، وعبد الرحمن بدوي، وعبد الرحمن الشرقاوي، وسعد الدين وهبة قبل وفاته بيوم واحد، وغالي شكري في آخر أيامه بباريس، والفنان محمود رضا قبل وفاته بأيام قليلة. والعديد من المفكرين العرب والمصريين والفرنسيين. وذلك من خلال صفحة "صباح الخير يا فرنسا" التى كانت قبلة المصريين المغتربيين هناك.
كما رأس تحرير جريدة أخبار الجالية المصرية و"اتحاد المصريين بباريس" لعدة سنوات. وأسس "المركز المصري لحوار الثقافات" في باريس واهتم اهتماماً خاصاً بقضايا المغتربين، فكان من أوائل من دعا إلى مشاركة المغتربين المصريين في انتخابات بلادهم وكذلك اهتم بقضية موت المغترب بالخارج وكيفية إكرام دفنه، بالغربة دون اللجوء إلى جمع أموال لنقل المتوفى إلى بلاده. بعد دقائق رن هاتفه مرة أخري لكنه لم يرد ثم واصل كلامه قائلاً: وعندما عدت للقاهرة، وجدت نفس الحرب، ونفس الأمراض النفسية، وأن كانت بوسائل أخري، حتى أكون أنا - وباقي جيلي وأجيال أخري - بعيدين عن متناول أي فرصة للوصول للمناصب القيادية فى الصحافة، لكن ما أسعدنى بالفعل، أننى لم أكن أسعي لتلك المناصب وأنشغلت بقضايا الفكر والثقافة، والكتابة السياسية محلياً ودولياً. وهذا ما كنت - ومازلت - أحبه، وأعشقه، وأشعر إنه يرضى ضميري المهني والإنساني، دون النظر إلى أى مناصب قيادية فى مؤسساتنا الصحفية. بعد ساعتين من الحديث المتواصل الذي دار بيننا. غادرنا المطعم واستقل هو سيارته متجهاً إلى منطقة حدائق الأهرام غرب القاهرة حيث كان يسكن. وعدت أنا من حيث أتيت، لتظل علاقتي به، واتصالاتى معه، قائمة، وممتدة، طيلة السنوات الماضية، حتى هاجمه المرض اللعين، وطارده بقسوة خاصة فى الشهور الأخيرة، التى ظل فيها متنقلاً بين بيته وبين المستشفى، محاولاً - بقدر حبه للحياة - الصبر والمقاومة معاً!
***
(القاهرة ـ 2019 )
.. وبعد شهور من الصبر، والمقاومة، اسلم الرجل روحه لله، ورفع الراية البيضاء، أمام ذلك المرض الشرس اللعين. وعند الساعة العاشرة والنصف من صباح يوم الجمعة الموافق 11 أكتوبر الحالى كتبت زوجته د.: فاطمة الحصى كلمات مؤلمة، ودامعة، ومؤثرة، على حسابها الشخصي نعته فيه قائلة:" مات زوجى.. سعيد اللاوندي.. اللهم أجرنى فى مصيبتى"
***
.. وفى النهاية.. مات د." سعيد"، وفى ظني، إنه عاش ومات سعيداً، بالحياة الطيبة التى عاشها ـ كما يقول أنطون تشيكوف ـ تلك الحياة التى عاشها بحب، وصدق، وإيمان، وهذا يكفيه ويكفينا!
نقلاً عن روزا ليوسف