Sun,08 Dec 2019

عثمان علام

بحث

أنتحار أون لاين من برج القاهرة

أنتحار أون لاين من برج القاهرة

الكاتب : د أحمد هندي |

12:42 am 03/12/2019

| رأي

| 548


لا توجد دولة فى العالم يستطيع بوليسها أن يمنع أنتحار فرد، فالقرار فردي وتنفيذه يتم خلسة، ولكن هذه المرة كانت عملية الأنتحار اون لاين، وتم نشرها على كافة مواقع السوشيال ميديا، وتم تسريب فيديو من تسجيلات كاميرات المراقبة ببرج القاهرة، والشاب المنتحر خريج كلية الهندسة جامعة حلوان دفعة ٢٠١٨ /٢٠١٩، بتقدير عام جيد جداً.
وقد كتب الشاب على موقع صراحة دون ذكر اسمه رسالة يقول فيها ( السلام عليكم أنا طالب فى إحدى كليات الهندسة، قررت بعد خمس سنوات دراسة بالكلية إني وللأسف انتحر، الدنيا دى كوميدية اوى، امبارح كنت باتريق على إللي بينتحروا، وعمري ماتخيلت إني فى يوم هبقى مكانهم...أنا أخدت قرار ومش هرجع فيه أنا بكلمك عشان توصل للناس إن إللي مش قد الكلية ميدخلهاش..الكلية دى خدت منى كل حاجة، خدت منى روحى ونفسى وعقلي وإيماني وكل حاجة...وبإذن الله ربنا هيرحمني على قد إللي شوفته في الدنيا)!!!
وللأسف فلا يوجد باحث إجتماعي، أو وزارة مصرية اهتمت بدراسة نوع الثقافة والتعليم، ولكن المؤكد أن هذه الحادثة إن أكتفينا بأعتبارها حادثة، يجب ان تكون بمثابة جرس إنذار ينبهنا بأن أول مشكلة يجب بحثها بدقة وعناية فائقة، تحدي خلق فرص عمل للشباب، كان ولايزال أهم واخطر تحد للمجتمع المصرى، لأن خلق فرص عمل بمثابة مهمة صعبة على أي حكومة، وهى كيفية خلق وظائف تحتوي كافة خريجي المدارس والمعاهد والجامعات سنويا، أبنائنا الذين يتخرجون سنويا ويرغبون الدخول إلى سوق الحياة عام بعد عام، ويبلغ عددهم مليون خريج سنويا!!
تداولت كافة الوسائل الإعلامية مقطع الفيديو المسرب لعملية الأنتحار ورسالته، ولعل مقطع الفيديو جعلني أعقد مقارنة بين نهاية فيلم بداية ونهاية للروائي العالمي نجيب محفوظ، وأنتحار الضابط حسنين ( عمر الشريف) غرقا، عندما تذكر حياته ووجد عالمه ينهار فألقي بنفسه في النيل.
أما نهاية فيلم أنتحار خريج الهندسة من أعلى برج القاهرة اون لاين، تشعر وأنت تشاهد المنتحر أن التصرف الذي قام به مثل السلوك اللاشعوري واللاوعي، وكأنه فى حلم أو هيستريا، أو عملية تعويضية ، فهل كان يرغب فى توثيق انتحاره عبر كاميرات المراقبة بالبرج، والحصول على صورة للأنتحار سيلفي؟؟
وفى ظل حرية التعبير بالطريقة الإلكترونية عبر شبكة الإنترنت، بوست متداول ( أنتحار الأكتئاب حقيقى وليس لعبة، إذا كنت تشعر بالأنتحار الأكتئاب وليس لديك صديق، من فضلك تحدث معي، أريدك أن تكون حيا)، طبعا كله أصيب بالأكتئاب وعاوز يفضفض على الماسنجر!!
الأنتحار عملية تكررت من قبل ولابد أنها ستتكرر حتما، وقد تتكرر كثيرا.
المنتحرون لايريدون الأنتقام من أحد او تدمير شئ، أنهم يدمرون أنفسهم وأسرهم فحسب، لذا لابد من دراسة عميقة سريعة لمشكلة الأنتحار بسبب البطالة، مع عدم الأنزلاق إلى الجدل العقيم، لأننا سنغرق جميعا فى مناقشات لاطائل من ورائها، لأن عائلات هؤلاء الشباب لن يكسبوا من وراء ذلك شيئا، ولا مجمع البحوث أو دار الإفتاء تملك منح المنتحر شهادة دخول النار أو الجنة.!!
قضيتنا الرئيسية تعليم بلاجودة وهو مايعني أنعدام فرص العمل والحياة وزيادة هموم الشباب وأنتحارهم، ويعتبر التعليم هو الوسيلة الأساسية للأستثمار فى رأس المال البشري، لأحداث تقدم تكنولوجي يعتمد على عقول وطنية، يرفع من أنتاجية عناصر الإنتاج الثلاثة (العمل - رأس المال - الأرض)، بشكل مستمر يضمن لعملية التنمية النمو الأقتصادي الإطراد عبر الزمن.
وأهم مايميز الأستثمار فى التعليم وفى رأس المال البشري بصفة عامة دون غيره من صور الأستثمار الأخرى هو آثاره الأيجابية التى لاتتوقف عند أحداث النمو بمعناه الأقتصادي الضيق، بل تتجاوزه لتشمل منظومة القيم والسلوكيات والعادات التى تشكل فى مجملها الإطار العام لعملية التنمية الإنسانية بمعناها الأقتصادي والمالي والأجتماعي والثقافي والقانوني الشامل، والتى يتم بناؤها وإرساء قواعدها بصفة اساسية أثناء سنوات التعليم!!
ونظامنا التعليمي نظام طبقي، مدارس حكومية، مدارس لغات حكومية، مدارس خاصة تابعة للقطاع الخاص، ومدارس أجنبية تابعة لسفارات الدول الأجنبية!!
أما التعليم الثانوى نفس التقسيم السابق مع الأختلاف أنه فترة الشباب التي تحدد مسار الشاب فى المستقبل، القوة البشرية وينقسم إلى ثانوى عام - فنى - مهنى - بالإضافة إلى التعليم الأزهري!!!
أما التعليم الجامعي الجامعات، والأكاديميات التى تمنح شهادات البكالوريوس فى الفنون، والعلوم الإدارية، العلوم والتكنولوجيا، والمعاهد العليا، والمعاهد الفنية المتوسطة..
وتم تحطيم مستقبل خريج الجامعة مع صدور القانون رقم ١٠١ لسنة ١٩٩٢، بإنشاء الجامعات الخاصة مثل ٦ أكتوبر، العلوم والتكنولوجيا، مصر الدولية، والجامعات الأجنبية مثل الجامعة الأمريكية، والفرنسية، والألمانية، والبريطانية، سنجور الإسكندرية.، وهؤلاء ليس لديهم مشكلة بطالة!!
وقامت الدولة بتطبيق نظام التعليم المفتوح سنة ١٩٩١، وظهر هذا النوع لحاجة البعض للوجاهة الأجتماعية وبلا أدنى مستوى علمي لتظهر أزمة التسويات الوظيفية!!
ولكن هذا التقسيم الطبقي لم يحقق طموحاتنا، أو أن مشكلاتنا قد انتهت، بل على العكس ادي إلى مشكلات وتحديات، اهمها شباب يتطلع إلى مستقبل أفضل، فى ظل دخول محدودة تعاني من الغلاء، فقراءيحتاجون من يأخذ بيدهم.
انتشار ظاهرة البطالة لخريجي الجامعات الحكومية يعد دليلا على ضعف العائد الأقتصادي والأجتماعي لهذا المستوى من التعليم وعدم ملاءمة المهارات المكتسبة لأحتياجات سوق العمل، فقد انتهينا إلى وضع خطير أنه أصبح لايوجد لدينا مجانية تعليم ولاتعليم، بل أن اي محاولة لإصلاح أحوال التعليم لن يكتب لها النجاح إلا فى إطار بيئة جديدة جاذبة لراس المال البشري..مع ضرورة إبراز آليات إعادة الإنتاج المتعلقة بالبنيات الاجتماعية، والعلاقات التبادلية بين العمليات التربوية فى المجتمع وبين النظام التعليمي المرتبط بتشكيلة إجتماعية معينة، مع وضع فرضية تتمثل في كون المتعلمين لايملكون الحظوظ نفسها فى تحقيق نجاحهم التعليمي نتيجة التفاوت الطبقي.
والسؤال..ماذا فعل التعليم لى يا أبي فى زمن حمو بيكا!!
ياولدي يبقى الوضع على ماهو عليه إلى أن تتكرر الحوادث والكوارث، لنعود ندور في الحلقة المفرغة من جديد ولله الأمر من قبل ومن بعد!!!

التعليقات