Fri,18 Sep 2020

عثمان علام

219101

بحث

كلمتين ونص..وما ظننْـتُ وأحلامي تُسامرنـي أنّي سأسـهر في ذكرى ليـاليها

كلمتين ونص..وما ظننْـتُ وأحلامي تُسامرنـي أنّي سأسـهر في ذكرى ليـاليها

الكاتب : عثمان علام |

11:24 pm 30/12/2019

| رئيس التحرير

| 951


في يوم 31 ديسمبر من عام 1898 ولدت سيدة الغناء العربي وكوكب الشرق أم كلثوم ، عاشت 76 عاماً تشدو جميل الكلمات وأعظم الألحان.. وفي فبراير من عام 1975 توفيت أم كلثوم، وكتبت عنها الصحف الأجنبية عدة مقالات ..إحداهما قالت : -لقد فقد العرب أخر رابط حقيقي بينهم ، وقالت "الفيجارو" : إن الأوروبيين لم يفهموا الكلمات إلا أن كلمات أم كلثوم وصلت لأرواحهم مباشرة ، وقالت التايمز : إن أم كلثوم من رموز الوجدان العربي الخالدة ، وكتبت إحدى الصحف الألمانية : أن مشاعر العرب أهتزت من المحيط للخليج بفقدان أم كلثوم ، بينما أرسل لها الأمير الشاعر عبدالله الفيصل، لترات من ماء زمزم بطائرة خاصة لتغسيلها .

وعندما توفيت دخل أحمد رامي الذي كتب لها 137 أغنية ، في حالة إكتئاب شديدة ، وكسر القلم وهجر الشعر.

لكن عندما طلبه الرئيس السادات في حفل تأبينها عام 1976، قال أجمل الكلمات :- ما جال في خاطري أنّي سأرثـيها بعد الذي صُغتُ من أشجى أغانيها ،قد كنتُ أسـمعها تشدو فتُطربني واليومَ أسـمعني أبكي وأبـكيهــا..صحبتُها من ضحى عمري أدُف شهد المعاني ثم أهديها ،سلافة من جنى فكري وعاطفتي ، تديرها حول أرواح تناجيها، وبي من الشَّجْوِ من تغريد ملهمتي ،ما قد نسيتُ بهِ الدنيا ومـا فـيها..يـا دُرّةَ الفـنِّ.. يـا أبـهى لآلئـهِ ،سبـحان ربّي بديعِ الكونِ باريها، مهـما أراد بياني أنْ يُصـوّرها ،لا يسـتطيع لـها وصفاً وتشبيها ،وما ظننْـتُ وأحلامي تُسامرنـي ،أنّي سأسـهر في ذكرى ليـاليها.

وفي هذا المشهد الذي وقف فيه أحمد رامي يرثي بكل حرارة المشاعر، حبيبة عمره، كان في الحقيقة يرثي نفسه وحاله، فبكى الجميع له وعليه، وليس على رحيل السيدة أم كلثوم.

وهو الذي قال:- كيف أنسى ذكرياتي وهي أحلام حياتي، إنها صورة أيامي على مرآة ذاتي..عشت فيها بيقيني وهي قرب ووصال..ثم عاشت في ظنوني وهي وهم وخيال..ثم تبقى لي على مر السنين وهي لي ماض من العمر وآت».

لقد أحبها وتحدث عنها طوال حياته، كأنها بين ذراعيه لا تفارقه، يكتب لها أجمل الأغاني والأشعار من أعماق روحه، أما هي فقد كانت في عالم آخر، عالم الشهرة والمجد، كأنه يكتب كلاماً في الهواء، بلا معنى ولا قيمة . 

لقد كان حب «رامي» لأم كلثوم حباً عذرياً ، فقد عاش حالة عاطفية بعيدة عن أي مفهوم مادي أو جنسي..وقال مرة: «إنني أحب أم كلثوم كما أحب الهرم، لم ألمسه ولم أصعد إليه، لكني أشعر بعظمته وشموخه، وكذلك هي.

وذات مرة قالت له بين العاملين: «يا ريتني ما عرفتك يا شيخ»، فحزن، ثم غضب، فأنفجر يهجوها:

من أنتِ حتى تستبيحي كرامتي

فأهين فيك كرامتي ودموعي 

وأبيتُ حرّان الجوانح صادياً

أصلى بنار الوجد بين ضلوعي.

وليس في ذلك عجب، فالذي يتأمل كل ما كتبه رامي لـ«أم كلثوم»، يجده في الوصال يكتب أعذب الأشعار الموحية، فيكتب «حيرت قلبي معاك» وحأفضل أحبك من غير ما أقولك وإيه اللي حير أفكاري ولحد قلبك ما يوم يدلك.. على هوايا المداري.

وفي الهجران يكتب، فيقول «يا ظالمني»: وأطاوع في هواك قلبي وأنسى الكل علشانك ،وأذوق المر في حبي بكاس صدك وهجرانك ويزداد الجوى بيّا..يبان الدمع في عنيا ،وأبات أبكي على حالي وتفرّح فيّا عُذالي ،ولما أشكي تخاصمني وتغضب لما أقول لك يوم يا ظالمني.

كانت تعرف كل اليقين أنه يحبها، ولما أحبت وتزوجت ، ازداد شقاؤه وتعاسته، وكانت ترى في ذلك لذة، وهذه طبيعة الأنثى ، فطلبت منه أن يضع أغنية تقول: «شايف الدنيا حلوة لأنك فيها» للرجل الذي أحبته ثم تزوجته فيما بعد، وهو الدكتور حسن حفناوي، طبيبها الخاص، فاستشاط «رامي» وقال: «أنا شايف الدنيا سودة، أشجارها بتلطم، وأرضها بتبكي» ورفض أن يُنّظم القصيدة المطلوبة، وخاصمته أم كلثوم، وأصرّ«رامي» ألا يجعل الدنيا تضحك وقلبه يبكي!. 

ولما يئس «رامي» ووجد أن الزمن فات منه، وأن الارتباط بأم كلثوم مستحيل، تزوج إحدى قريباته، وأبقى على شعلة حبه، يستوحي منها كل أغانيه الجميلة، فكتب يقول:

أصون كرامتى من قبل حبي

فإن النفس عندى فوق قلبي

رضيت هوانها فيما تقاسي

وما إذلالها فى الحب دأبي.

كل ذكرى وسيدة الغناء تعيش بيننا بروحها ..ورحم الله أحمد رامي ذلك الشاعر المُحب الذي لايزال يلهب مشاعرنا كلما أستمعنا لكلماته .

التعليقات

أستطلاع الرأي

هل تؤيد توحيد دخل رؤساء الشركات ؟