Sun,23 Feb 2020

عثمان علام

3272

بحث

المشكلة ليست فى النصوص لكن فى الأخلاق التطبيقية لها

المشكلة ليست فى النصوص لكن فى الأخلاق التطبيقية لها

الكاتب : د أحمد هندي |

08:03 pm 25/01/2020

| رأي

| 286


غالبا ما ينتهى تأثير خطبة الجمعة بإنتهاء الصلاة. فما أن يخرج المصلون من أبواب المسجد حتى تأخذهم الدنيا، فلا هم تعلموا مما سمعوا، ولاهم تغيروا، ولاهم أستفادوا منها ولاهم توقفوا!!

ان هذا هو ماشعرت به وأنا أتابع الكثير من القضايا والشكاوي والمظالم كلمة ( أنا مظلوم).

قال تعالى فى سورة الكهف الآية ٤٩، ولا يظلم ربك أحدا، وهنا أية اليقين أن الله سبحانه وتعالى لايظلم عباده، وإنما كل ذلك بما كسبته الأيدي، التى ظلمت الأنفس، وفجرت وبغت، ورضيت بالظلم وهللت له، فإذا ساءت الأحوال فأعلم أنه البلاء، وما نزل بلاء إلا بذنب، ومارفع إلا بتوبة.

قال تعالى ( إن الله لايظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون.

فإذا قلت أنا مظلوم فأعلم أن الله حرم الظلم عليه، وإنما الظلم من النفس البشرية الظالمة!!..ليتبادر إلى الذهن سؤال كيف ظلمت نفسى وأنا المظلوم؟؟

القرآن الكريم هو الدستور الألهي الأعظم الذى لاريب فيه، والذي لم يترك كبيرة ولاصغيرة إلا أحصاها، وأول البشر الذين طبقوا الدستور الألهي تطبيقا مثاليا لأحكامه، هو الرسول صلى الله عليه وسلم حتى فاضت روحه الطاهرة من على الأرض..

لتتطور التطبيقات البشرية حتى وصلت إلى التطبيقات الغير مثالية لأحكامه، وتطورت الحركة التشريعية الوضعية فى الدولة الحديثة، فى صورة النصوص الدستورية، والقانونية، واللائحية، والقرارات الإدارية التنفيذية، لتتمشي مع طبيعة الحياة فى المجتمع.

والمجتمع وهو يقر هذه النصوص ويطبقها لايستطيع الدخول فى قلوب البشر، حتى يتعرف على مايكمن فى نفوسهم او يجول فى خواطرهم، ولو نظرنا إلى النصوص الوضعية الدستورية، أو القانونية، أو اللائحية بصفة عامة، لوجدنا أنها تهدف إلى تحقيق العدالة والحفاظ على الحقوق والحريات من أي أعتداء يقع عليها.!!

وحتى يتمشى النص المكتوب مع مقتضيات العدالة، لابد أن يتأثر بالقيم الأخلاقية، فالأخلاق القويمة لاتقل فى قوتها عن النصوص المكتوبة، لأن النصوص الوضعية الدستورية، والقانونية واللائحية، لم تتضمن كافة القواعد الأخلاقية، لأن النص الوضعي ايا كانت صورته او شكله لاينظم إلا جزءا من تصرفات النفس البشرية فى المجتمع.

وبأستقراء النصوص المكتوبة بصفة عامة نجدها قد تتعارض مع القيم الأخلاقية، وقد تعبر عن أنحرافات تطبيقية، لأن المطبق والمنفذ للنص أنسان، قد لا تلتزم نفسه البشرية بالتطبيق الأمثل او النموذجي للنص، وهو مايدفع هذه النفس إلى عدم توقيع الجزاء على كل من يخرج عن قيم وعادات، وتقاليد المجتمع، ويهدد أمنه وأستقراره.

فالنفس البشرية أشد ماتكون ميلا إلى الهوى، وأن تذيق من دونها من نفس الكأس الذى ذاقته ممن يعلوها، لتذيق نفس الغير مرارة الكأس المر الذى أمتلات به نفسه.

والجزاء كما معلوم لدينا هو العلاج الأجتماعي الذى يهدف إلى تهذيب النفس وتجريدها من الأنانية الفردية وحثها على القيم الأخلاقية.

فإذا كانت الأخلاق مرتبطة بفلسفة الحياة، فإن النصوص المكتوبة هى الأداة التنفيذية لها، ومع ذلك لم يصل مجتمع فى العالم إلى التطبيق النموذجي للنصوص الدستورية، والقانونية، واللائحية، والتى هى فى النهاية صناعة بشرية!!

فعلى سبيل المثال، السلطة التنفيذية فى اى دولة فى العالم، يجب أن تراعي القواعد والأحكام النصية الوضعية، ويجب أن تلتزم عند تطبيقها للنص القانوني بأحكامه نصا وروحا، فلا تهدر نص وهى تحكم وتدير، فيجب أن يكون الأنسان المطبق أو المنفذ للنص أو القرار، مع العدو والصديق على السواء، فلا العداوة تشفع للظلم، ولا الصداقة تشفع لظلم الآخرين، فالمنفذ أو المطبق للنص أو القرار، يجب أن يتمتع بالأخلاق القويمة، التى تتمتع بالنبل والتجرد وليس سعيا إلى الأنتقام والتسلط، أي نفس قادرة على إنارة البصيرة وإنارة البصر إلى العدل التطبيقي.!!

فعندما يتولى أي مواطن منصبه أو عمله فى أي من الوظائف العامة، تسول له نفسه أن هذا المنصب او الوظيفة مغنما له، يمارسها وكأنها متاع شخصي له يتنعم فيه وفقا لأهوائه وميوله.

ومن الطبيعى ان تنقل النفس البشرية الظلم من الطبقة الأعلى إلى الطبقة السفلى، ويترتب على ذلك ان القوانين واللوائح والقرارات الإدارية هناك من يطبقها وفقا لمقتضيات مصلحته الشخصية بأعتباره المشرف على تنفيذها وتطبيقها.

وهو مايعني ان العملية التطبيقية للنصوص أيا كان نوعها، يجب أن توضع فى ميزان القيم الأخلاقية للسلطة المطبقة، والتى تستمد سلطاتها وأختصاصاتها من الأرادة الشعبية.

وهو مانصت عليه المادة الرابعة من الدستور الصادر فى ٢٠١٤، بأن السيادة للشعب وحده يمارسها ويحميها، ليكون الشعب هو المشرع الأعلى لأي سلطة التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، وفقا لحاجات الزمن ومصالح الناس.

فأنت الذى وافقت على النصوص الدستورية، وأنت الذى اخترت أعضاء مجلس النواب، أو الشيوخ، أو المجالس المحلية، وأعضاء مجالس أدارات الشركات، والنقابات المهنية، والنقابات العمالية، فإذا ظلموك فهم أختيارك، وإذا كانوا لايصلحون لتمثيلك او التعبير عنك فهم فى النهاية حصاد أختيار النفس البشرية.

فإذا كانت النفس البشرية المطبقة للدستور او القانون أو اللائحة أو القرار الإداري قويمة الأخلاق، فمن الطبيعى أن تلتزم بمراعاة حقوق الآخرين، ولا يكون هذا إلا بالقانون الذى يعتبر الوسيلة لتحقيق الأمن والأستقرار، واداة العدالة والأنصاف!!!

والنصوص الدستورية هى مجموعة القواعد التى تنظم الحياة السياسية، والأقتصادية، والأجتماعية فى الدولة، وقد أقرها الشعب صاحب السيادة لأنها مستوحاة من بيئته، وتعبر عن عاداته، وتقاليده، وتفصح عن آمال الشعب نحو التقدم والرفاهية، وكل أخلال بالأنظمة التى أرتضاها الشعب يؤدي إلى توتر العلاقة بين الأفراد ويزعزع الكيان الأجتماعي.

فالنصوص الدستورية والقانونية لاتكفى وحدها، فالرئيس الأسبق /محمد حسني مبارك، كانت سلطاته الدستورية يوم تنحيه عن السلطة يوم ١١ فبراير ٢٠١١، هى نفس سلطاته الدستورية يوم تأديته اليمين الدستوري أمام مجلس الشعب فى أكتوبر ١٩٨١ ، وهو نفس الحال للرئيس العراقي صدام حسين، والسوري بشار الأسد، واليمني على عبد الله صالح، والليبي معمر القذافي، والتونسي زين العابدين بن علي، والجزائري عبد العزيز بوتفليقة، والسوداني عمر البشير.

السلطة لم تتغير، ولكن الذى ضاع منهم الأخلاق القويمة وهيبتها، وهو ما يمكن أن نلمسه فى جميع درجات التسلسل الرئاسي في المجتمع، فربما المنصب هو المنصب، والسلطة هي السلطة، ولكن النفس التطبيقية وطاعة المرؤوسين تختلف من رئيس إلى آخر، فالسلطة وحدها لاتكفى، بل لابد أن ترافقها قدرات شخصية ومهارات خاصة أولها الهيبة، ليس ذلك على مستوى قيادات الدولة العليا، بل فى جميع درجات التسلسل الإداري في الدولة.

فكل فرد له الحق فى أن يعمل العمل الذى يتناسب مع قدرته وكفاءته، ومع ذلك فهو خاضع للألتزامات التى يتطلبها العمل، وتسري عليه أحكام قانون العمل إسوة بغيره من العاملين.

ونعرض مثال نموذجي للتطبيق المثالي للنص، والمساواة لدى السلطة التطبيقية المنفذة، فيجب ان تكون المساواة فعلية لانظرية، أي قائمة وحقيقية وليست مجرد كلمات، حيث أن الخطر يأتي عند أنتهاك المساواة فى واقع الحياة، فقد يتفاوت الناس فى الخضوع للقانون تفاوتا كبيرا، فيخضع له الضعفاء خضوعا كاملا، ويمزقه الأقوياء تمزيقا كاملا.

ونختار مثال تطبيقي من سيرة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقصته مع أبنه عبد الرحمن!!

فقد كان عبد الرحمن فى مصر، وواليها عمرو بن العاص، فشرب عبد الرحمن هو وصديق له يدعى ابو سروعة الخمر فسكرا، وذهب كلاهما إلى عمرو بن العاص يطلبان منه أن يقيم عليهما حد الله.

فقال عمرو بن العاص، فزجرتهما وطردتهما!!

فقال عبد الرحمن بن عمر له : إن لم تفعل أخبرت أبي إذا قدمت عليه، فعلمت أنى إذا لم أتم عليهما الحد غضب على عمر وعزلني!!

فقال عمرو بن العاص : وكنا على مانحن فيه إذ دخل عبد الله بن عمر فقمت إليه ورحبت به وأردت أن أجلسه فى صدر مجلسي، فأبي على وقال :أبي نهاني أن أدخل عليك إلا أن أجد من ذلك بدا.

إن أخى لايحلق على رؤوس الناس. فأما الضرب فأصنع مابدا لك. فأخرجتهما إلى صحن الدار وضربتها الحد.

ودخل عبد الله بن عمر بأخيه إلى بيت من الدار فحلق رأسه ورأس أبي سروعة، ووالله ماكتبت لعمر بحرف مما كان حتى جاء كتابه.

فإذا فيه يقول من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى العاص بن العاص!!

عجبت لك يابن العاص وجرأتك على وخلافك عهدي، فما أراني إلا عازلك.

تضرب عبد الرحمن فى بيتك وتحلق رأسه فى بيتك، وقد عرفت أن هذا يخالفني.

إنما عبد الرحمن رجل من رعيتك تصنع به ماتصنعه بغيره من المسلمين!!

ولكن قلت : هو ولد أمير المؤمنين، وقد عرفت أن لا هوادة لأحد من الناس عندى في حق يجب عليه.

فإذا جاءك كتابي هذا فأبعث به فى عباءة على قتب حتى يعرف سوء ماصنع. فبعث به كما قال أبوه، وكتبت إلى أمير المؤمنين كتابا أعتذر فيه أني ضربته فى صحن دارى، وبالله الذى لايحلف بأعظم منه، لأقيم الحدود فى صحن دارى على الذمي والمسلم، وبعثت الكتاب مع عبد الله بن عمر.

ووصل عبد الرحمن بن عمر إلى المدينة المنورة، ودخل على ابيه عمر وهو لايستطيع المشي من سوء مركبه.

فقال عمر : يا عبد الرحمن فعلت وفعلت!! فكلمه عبد الرحمن بن عوف وقال : يا أمير المؤمنين قد أقيم عليه الحد. ولكن الفاروق لم يلتفت إلى رجاء عبد الرحمن بن عوف وشفاعته، وأمر أن يقام على أبنه الحد من جديد!!

فقال له إبنه عبد الرحمن : إنني مريض وأنت قاتلي. ولم يلتفت عمر إلى هذا التوسل، فضربه وحبسه، ثم أخلى سبيله، فلبث شهرا ثم أصابه قدر الله فمات!!

فلايوجد ظالم ومظلوم وإنما نفس بشرية تعرف القيم الأخلاقية وإما نفس بشرية عديمة الخلق!!

التعليقات