Thu,27 Feb 2020

عثمان علام

3464

بحث

الفكر أمام القضاء

الفكر أمام القضاء

الكاتب : حلمي النمنم |

08:31 am 26/01/2020

| رأي

| 340


نشر الروائى الراحل خيرى شلبى فى أحد أعداد مجلة الهلال سنة 1970 محضر التحقيق مع د. طه حسين فى البلاغات المقدمة ضده بخصوص كتاب «فى الشعر الجاهلى» وبعدها بعامين قام خيرى شلبى بنشر المحضر فى كتاب منفصل مع مقدمة شارحة، ونجح الكتاب وتكررت طباعته، ومن يومها صار ذلك المحضر وقرار النيابة العامة الذى أصدره رئيس نيابة مصر محمد نور موضع اعتزاز وتقدير كثير من الكتاب والمفكرين، وصارت أهميته تفوق أحيانا أهمية كتاب «فى الشعر الجاهلى» نفسه، واعتبر فريق من المثقفين هذا المحضر دليل انتصار لهم ولحرية الفكر والتعبير، وانتصارا كذلك للدكتور طه حسين.

فى المقابل يرى هذا الفريق نفسه أن الشيخ على عبدالرازق هزم فى معركة «الإسلام وأصول الحكم» سنة 1925؛ فى حين أننا لو تأملنا الأمر جيدا لوجدنا أن د. طه خرج مهزوما فكريا وعلميا من معركة الشعر الجاهلى؛ وإن خرج سالما على المستوى الشخصى أو بأقل قدر من الخسائر؛ أما على عبدالرازق فقد خرج منتصرا على المستوى الفكرى وإن فقد شهادة «العالمية» وبمقتضى ذلك فقد وظيفته فى «القضاء الشرعى» ولأنه كان ثريا ولا يتعيش من راتبه لم يهتز، ولم يشعر هو ولا الكثيرون بتلك الخسارة.

وإذا قسنا نجاح الفكرة أو الكتاب بالوصول إلى الهدف الذى تصبو إليه والغاية التى يريدها؛ فإن كتاب «الإسلام وأصول الحكم» حقق هدفه بالتمام، فكرة الكتاب أن الخلافة ليست من أصول الإيمان ولا هى من أركان الإسلام، هى اختراع بشرى لسنا ملزمين به؛ ومن ثم لا يصح لمصر أن تسعى إلى الخلافة ولا أن تكون مقرا لها ولا يليق بملك مصر المعظم أن يحاول أن يكون خليفة المسلمين؛ وكان الملك فؤاد يسعى نحو الخلافة وتشكلت بإيحاء من الديوان الملكى لجنة لهذا الغرض؛ وجاء الكتاب ليفجر ذلك المشروع من داخله، ولعب الكتاب والضجة التى أحدثها مع عوامل أخرى دوراً فى إفشال مساعى الملك فؤاد؛ وفى النهاية أعلن الملك نفسه أنه لم يفكر فى الخلافة ولا يريدها؛ جاء ذلك الإعلان بعد إجهاض الحلم؛ وكان ذلك انتصارا للدولة المدنية الحديثة وللدستور المصرى، الذى لم يكن مر عامان على وضعه والعمل به وانتصارا كبيرا للكتاب وكاتبه.

أما شهادة العالمية التى فقدها على عبدالرازق فقد أعيدت إليه فيما بعد وعين وزيرا للأوقاف ورحب به العلماء والمشايخ؛ وظل الشيخ على متمسكاً بكتابه وفكرته وإن زعم البعض غير ذلك.

قبل على عبدالرازق وطه حسين بجيل كامل؛ تعرض قاسم أمين لحرب ضروس؛ ولم يترك بعض العلماء والمشايخ نقطة فى عرضه وشرفه الشخصى لم يمسوها بسوء؛ وانتقلت السخرية به إلى الشارع، حتى إن مواطنا عاديا زاره فى بيته واستاذنه أن يلتقى بزوجته ويجالسها على انفراد، ولما دهش قاسم من المطلب رد عليه ذلك السخيف: أليس هذا ما تدعو إليه وتطالب به؟ وتردد أن الحملة التى تعرض لها أثرت على صحته وعجلت بالأزمة القلبية التى أودت به، ومع ذلك فإن قاسم أمين انتصر، ذلك أن فكرته فى النهاية تحققت، وحينما نجد اليوم جامعة الأزهر تضم أستاذات جامعيات وعميدات للكليات وآلاف الطالبات؛ فهذا انتصار لقاسم أمين، رغم أنه شخصيا أضير من جراء كتابه «تحرير المرأة» الذى صدر سنة 1898.

وإذا طبقنا المعيار نفسه على د. طه وكتابه عن الشعر الجاهلى، فإنه بعد التحقيق حذف الفصل الذى أغضب الكثيرين وأدانه التحقيق؛ وأجرى تعديلا جوهريا على الكتاب ليصبح «فى الأدب الجاهلى» والأهم من ذلك أنه فيما بعد تخلى نهائيا عن منهج «الشك الديكارتى» وقاعدة «أنا أشك إذن أنا موجود».

بعد هذه الأزمة مباشرة كتب د. طه حسين «الأيام» وهى أقرب إلى سيرة ذاتية؛ ثم أصدر مطلع الثلاثينيات كتابه البديع «على هامش السيرة» وفى هذا الكتاب اعتمد على التاريخ الرسمى للسيرة النبوية كما ورد فى سيرة ابن هشام مضيفا إليها بعض الخيال وبعض الأساطير لملء فراغ المعلومات والوقائع فى بعض جوانب السيرة، العمل ممتع أدبيا، لكنه على النقيض من «الشك الديكارتى» والحق أن د. طه تمتع طوال حياته بموقف نقدى تجاه عدد من قضايا المجتمع والوطن؛ وضح ذلك فى عدد من كتبه مثل «مستقبل الثقافة فى مصر» سنة 1938؛ المعذبون فى الأرض سنة 1947؛ جنة الحيوان سنة 1949؛ لكن الموقف النقدى غير موقف الشك؛ بل يمكن لنا القول إن فى الشعر الجاهلى كان جملة اعتراضية فى سيرة طه حسين الفكرية والعلمية؛ ومن يدرس إسلامياته يثبت له ذلك؛ راجع مثلا الوعد الحق، الفتنة الكبرى؛ الشيخان، وأخيراً مرآة الإسلام.

ولا يحق لنا أن نلوم طه حسين على ذلك، فقد وجد نفسه وحيداً أمام مؤسسات عاتية؛ وقفت ضده بقضها وقضيضها؛ وما يحسب له أنه لم يتوقف بعدها؛ بل استطاع مواصلة المسير والكتابة؛ ولأنه صاحب موهبة كبيرة وثقافة رفيعة شق طريقه، وقدم للثقافة العربية الكثير والكثير. وأفضل ما قدمه ويذكر به جاء بعد تلك الأزمة.

أما محضر التحقيق نفسه وهو أقرب إلى تقرير علمى، على غرار التقارير التى كانت توضع حول رسائل الدكتوراه والماجستير بالجامعة؛ والتقرير أدان علميا وفكريا د. طه حسين حيث ورد به «أن للمؤلف فضلا لا ينكر فى سلوكه طريقا جديداً للبحث حذا فيه حذو العلماء من الغربيين ولكنه لشدة تأثير نفسه مما أخذ عنهم قد تورط فى بحثه حتى تخيل حقاً ما ليس بحق أو ما لا يزال بحاجة إلى إثبات أنه حق؛ إنه قد سلك طريقا مظلما فكان يجب عليه أن يسير على مهل أو أن يحتاط فى سيره حتى لا يضل ولكنه أقدم بغير احتياط فكانت النتيجة غير محمودة».

وطبقا للمادة 12 من الدستور (1923) فإن حرية الاعتقاد مطلقة؛ وطبقا للمادة 14 حرية التعبير مكفولة ولكن فى حدود القانون وطبقا للمادة 149 منه فإن الإسلام دين الدولة، وهكذا انتهى التحقيق الذى استمر لأكثر من ستة شهور إلى إدانة الكتاب؛ ولكن نية المؤلف لم تنطو على قصد جنائى، ولذا تم حفظ التحقيق.

أخطر ما تركته قضية الشعر الجاهلى أنها فتحت الباب أمام المشاكل والقضايا الفكرية والثقافية كى تحسم أمام القضاء، ولا يتم حسمها فى الفضاء العلمى والأكاديمى؛ من قبل عاشت الجامعة المصرية أزمة رسالة د. منصور فهمى للدكتوراه وظلت داخل الجامعة؛ فصل منصور ثم أعيد دون اللجوء إلى القضاء؛ حتى فى أزمة الشيخ على عبدالرازق ظلت داخل الأزهر وبين يدى هيئة كبار العلماء؛ أما حالة د. طه حسين فقد خرجت إلى القضاء، فقد تقدم الشيخ خليل حسين الطالب بالأزهر ببلاغ إلى النيابة فى 30 مايو 1926؛ ثم أعقبه شيخ الأزهر نفسه ببلاغ فى 5 يونيه 26؛ وبعدها 14 سبتمبر تقدم النائب عبدالحميد البنان ببلاغ ثالث؛ ولم يكن ممكنا للنيابة العامة تجاهل ذلك كله؛ فضلا عن أن كل الأطراف الحاكمة ارتضت هذا المخرج؛ وحين نجد كل يوم بلاغات من هذا النوع إلى النيابة العامة ضد كاتب أو مفكر قال رأيا فى برنامج تليفزيونى، فلا يجب أن ننزعج كثيراً؛ هذا هو ميراث العصر «شبه الليبرالى».

التعليقات