Tue,31 Mar 2020

عثمان علام

229432

بحث

ما لا أنساه عن مبارك!

ما لا أنساه عن مبارك!

الكاتب : سليمان جودة |

04:54 pm 26/02/2020

| رأي

| 437


لا أحد يختار موعد مجيئه إلى الدنيا، ولا موعد رحيله عنها، ولكن توقيت رحيل مبارك ظهر وكأنه اختيار من جانبه فى لحظة محددة.. أقول كأنه.. فالقرآن الكريم حسمها فقال: «ولن يؤخر الله نفسًا إذا جاء أجلها». يعنى لا شفاعة ولا وساطة فى الموت.. ولا حتى فى ثانية واحدة!

أما لماذا أقول كأنه.. فلأن لحظة الرحيل فى حياة الرجل تبدو وكأنها محسوبة من جانب السماء، بحيث تأتى فى صفه.. ثم تأتى على ما يُريحه ويُرضيه!

لقد دخل غرفة العناية المركزة قبل شهر تقريبًا، وكان هذا هو ما أكده المحامى الكبير، الأستاذ فريد الديب، عندما نقل عنه، منذ أيام، أنباءً نشرتها وسائل الإعلام، وراحت تتنافس فى بثها حول العالم.. وحين حملوه إلى غرفته، ثم بقى فيها 30 يومًا، فإنه استقبل فيها أيضًا خبر براءة نجليه «علاء» و«جمال» فى ساحة القضاء!

أتخيل أنه استقبل الخبر، فتنفس عميقًا فى هدوء، وتأمل المكان من حوله وكأنه يودعه ويتهيأ للمغادرة، ثم قال، كما نقل عنه محاميه الشهير: الحمد لله ربنا نصفنا بعد سنين طويلة!.. والذين طالعوا هذه العبارة على لسانه، قبل مغادرته بيومين اثنين، يمكنهم أن يتخيلوه وقد أسند رأسه على وسادته، ثم راح يستعرض وقائع السنين الطويلة التى يقصدها فى عبارته، فلما رأى البراءة على يد القضاء فى ختامها أحس بنوع من الراحة والسعادة بين يديه!

هكذا نستطيع أن نتصور اللحظات الأخيرة، وهكذا نستطيع أن نتصور أن كل ما مر على هذا الرجل الجبل، بامتداد 9 سنوات من 25 يناير إلى اليوم، لم يكن يهمه بقدر ما كان يهمه أن يرى «علاء» و«جمال» بريئين.. وما عدا ذلك فلا شىء يهم، على نحو ما قال إحسان عبدالقدوس فى روايته الشهيرة!

مر حسنى مبارك بأحداث كانت تكفى لهَدّ جبال، ولكنه وقف فى وجهها كأنه هو الجبل لا هى، وكان يعرف أنه لا يصح فى غاية الأمر إلا الصحيح، وأن الإنصاف الذى تحدث عنه بعد براءة «علاء» و«جمال» هو نوع من رد الاعتبار الذى تأخر، وأنه إنصاف قد يتأخر، ولكنه فى نهاية المطاف يجىء!

عاش السنوات التسع يبدو وكأنه يسخر من الخصوم، وعاش ولسان حاله يقول إنه سيعيش، وإن هؤلاء الخصوم سيعيشون، وإنه سوف يرى بمثل ما أن كل واحد فيهم سوف يرى!

أذكر أنى كتبت عنه يوم سقط فى حمام المستشفى، قبل سنوات، وأذكر أنى يومها تلقيت تعقيبات على ما كتبت كما لم يحدث أن تلقيت تعقيبات على مقال آخر، ولكن التعقيب الذى لا أنساه جاء من السياسى الكبير منصور حسن، يرحمه الله.. قال يومها، وكان يحدثنى تليفونيًا من العين السخنة: إن الله تعالى سيحاسبنا على ما نفعله مع مبارك!!.. قالها منصور حسن، ثم رحل بعدها بساعات.. وكأنه أرادها شهادة باقية!

التعليقات