Fri,07 Aug 2020

عثمان علام

191490

بحث

مع توالى الجنائز .. شىء عن فلسفة الموت

مع توالى الجنائز .. شىء عن فلسفة الموت

الكاتب : عمار علي حسن |

02:25 pm 03/07/2020

| رأي

| 542


فوق أطلال هذا الحلم الذي أنت مجذوب إليه تمضى متوكئا إلى نهايتك ، لا يوجد شىء أصدق في هذه الحياة من الموت ، حقيقة لا مراء فيها. ليس بوسع أحد منا أن يعود بعد أن مددوه في كفنه‪.‬
ما الموت سوى ما يراد لنا لا ما نريد. هو غياب في حضور، وحضور في غياب. واقف على باب أيامنا يدعونا دومًا إلى الذهاب إليه، يستسرعنا ونتباطأ، نستمهله فلا يجيب. نرجوه أن يقف عند حلوقنا الظمأى إلى الخلاص، أن يدرك رغبتنا العارمة في الحياة، لكنه لا يطاوعنا أبدًا. هو منذور إلى ما خلق له، ونحن منذورون له، مهما طال الأجل والأمل. إنه هو نحن، الذي نكذبه في صدق، ونصدقه ونكذب على أنفسنا‪.‬

ذاهب أنا إلى حيث التقاء الصخر بالماء، هناك المكان المعجزة، فلا النهر يصعد إلى الجبل، ولا الجبل يجور على النهر، بل يمده بزاد جديد حين يهطل المطر فوق الربا، ويسيل إلى المجرى العريض. وهناك أيضا بئر غير معطلة تنزف ريقها ليغرق فيه ظمأى. هناك حيث لا شاطئ، ولا حافة، ولا سقف. لا أرض ولا سماء، لا أحد يسأل عن الساعة، وعن البقعة التي يكون بوسعه أن يملأ بها قدميه. هناك يطير الناس محلقين في البعيد القريب، وتصير أجنة الطيور باتساع المجرة. من يصل سيجدنى واقفا مشدوها، أنظر هازئا إلى أدنى الأرض، رافعا كفى إلى حيث من تجاوز الأزمنة والأمكنة لأطلب الرحمة والفضل. معلق في مشجب الريح كى تأتى فتمنع سقوطى. عبث كل شىء إلا وجه الذي خلق. أدور في فراغ لا ينتهى إلا هناك حيث هو، ينظر إلى مبتسما. أيها الإله الرحيم خذنى إليك ليذهب عنى هذا التأرجح بين الغياب والحضور، واجعل خلفى التراب مخضرا، فأراه هكذا وأنا أبتعد عنه لأقترب منك، ويموت الأفق تحت إبطى، وتغور الشوارع كأنها لم تكن في يوم من الأيام موطنى‪.‬
الموت يسرى كهواء نتنفسه دون أن نراه، لكننا نحسه، ليس شهيقا هو، ولا نسائم طرية تهب علينا فتؤرجحنا فوق نعمة سابغة، إنما شىء كوخزة لطيفة، تنبهنا في اللحظة الأخيرة إلى أن هناك حياة أخرى نحن منذورون لها، كى نعرف أن ما كنا فيه هنا عبث وهراء، عابرا كان، وومضة خاطفة في عمر الزمن الأزلى الأبدى، لا يبقى فيها سوى الوجوه التي رأيناها، والكلام الذي نطقت به القلوب العامرة بحب الناس، وتلك المناظر الساحرة التي صنعها التقاء يدى الإنسان والطبيعة‪.‬
يا للأسف حتى هذا الذي يبقى من هنا يتبخر هناك، ليس بأمر من أحد، حتى لو كان الواحد الأحد، إنما لتدبيره الذي لا يصمد أمامه شىء، من قال إن ما شكلته أناملنا بوسعه أن يحافظ على وجوده إن واجه الوجود نفسه، فليس كل موجود هو كذلك إن كان يفنى، حتى لو رأيناه وسمعناه وتذوقناه وشممناه ولمسناه، فكل الذي يرى ويسمع ويتذوق ويشم ويلمس هو نفسه إلى فناء‪.‬

كل محسوس هو ابن ما نحن فيه وبه وحوله، أما ما لا يحس، فهو الساكن في اللحظة بين الحضور والغياب، التي يداهمنا فيها الموت. بين غمضة عين ونصف انتباه، يمر كل شىء، من المهد إلى اللحد، نرى كل الذي مضى في دفقة واحدة، كأن الله أراد أن يرينا في اللحظات الأخيرة أن العمر لم يكن سوى لحظة، وكنا غافلين‪.‬

لكن من قال إن مفارقة الغفلة في لحظة أمر مستحب؟ فمن ذا الذي لا يريد أن يمد الأفق لروحه كى تحيا دقائق إضافية، حتى لو كانت حياته تعيسة. ليس حبا في الدنيا هو، لكنه خوف مما لا نعلم عنه شيئا. نعم نعرف ما جاء في نصوص دينية وما تخيله الناس من أول الخليقة، وما قاله الذين قاربوا النهاية وعادوا، لكن هل عاد أحد من النهاية التامة؟

لا، لم يرجع إلينا سوى السؤال؟ سؤال في أخيه، على أخيه، مع أخيه، وعنده، وله، ومنه، والإجابات حائرة، تهتز كأن ريحا هوجاء تضربها من كل اتجاه، فتضيع بين الغبار والدوامات الهائمة العبثية، التي تدور فتبلع في بطنها الهادر كل شىء، الكلمات والصور والرموز الغائمة، التي وضعت على جبهات الأيام التي كرت في لمح البصر‪.‬

أيها الساكن في دمى، في روحى، ترسم خطواتى وتعدها، إنى أعرفك جيدا، فكل ما رسمته للذين سبقونا كان فخاخا، وقعوا فيها وهم يمضون فوق جسور الأمانى الكاذبة. أحاذر منك، أرفع قدمىّ على مهل ظنا منى أن بوسعى تفادى الحفر التي بذرتها في كل الطرق، لكنى لا محالة واقع في واحدة . أين هي؟ متى تأتى؟ لا أعرف. ولست وحدى الذي يجهل. فمن ذا الذي بوسعه منذ أول الخلق حتى نهايته أن يعرف هذه مهما أوتى من علم؟

أيها الذي يأتى لا محالة، لن أطلب منك الخروج من خلايا جسدى، فأنت فيها منذ أول خلقها، بل أنت منها. إنه شرط الوجود، فمن يوجد يفنى، ومن يرفض الفناء لا يوجد، إلا الواجد الذي يوجد ويجيد ويجد ولا يتجدد، لأنه ثابت من الأول إلى الآخر، من الأزل إلى الأبد، من أول الوعى والاندهاش إلى نهايته، وفى أول خلية حتى فنائها، لكنه لا يفنى، لأنه كل موجود في قبضته، وما يمكن أن يوجد كذلك، فهو وحده الذي بوسعه أن يكتب سفر الموت بلا أي نقصان ، وما دونه يتخبطون في النقص وذل السؤال الذي لا إجابة له سوى هناك حيث لا يكون بوسعهم أن يوصلوا ما حصلوه إلى الحائرين الذين يدبون على التراب‪.‬

التعليقات

أستطلاع الرأي

هل تؤيد توحيد دخل رؤساء الشركات ؟