كلمتين ونص...الرجل الذي دفن بجوار أمه

كلمتين ونص...الرجل الذي دفن بجوار أمه

الكاتب : عثمان علام |

04:45 pm 17/03/2019

| أهم الأخبار

| 23


عثمان علام:
رغم أنه كان يسكن على ضفاف نيل القاهرة، لم يفكر يوماً أن يقف في شرفة منزلة، وبعد اربعون سنة اكتشف أن شرفته مطلة على النيل، وما حاجته في ذلك طالما أن لديه كتبه وقلمه وورقه، يقرأ ويكتب، وينام في ذات المكان، لا شيئ يزاحم كتبه وقلمه وورقه سوى الشاي والقهوى والكورن فليكس، فذلك طعامه الذي يقويه على رحلته اليومية .
يستقيظ في الرابعة فجراً، وينام في العاشرة مساءً لا شيئ يفعله سوى أنه ينكب على كتبه اللا معدودة، اللا منتهية، كتب بلا حدود ولا يحويها مكان..لقد كانت مكتبة بيته تحمل سدس ما كان يحتويه عقله من كتب الفلاسفة والأدباء والمؤرخين في كل أرجاء الدنيا .
إنه أنيس منصور، الرجل الذي وصف نفسه بأنه بلا طموح، كان الأول دائماً.. الاول في الشهادة الابتدائية والاعدادية والثانوية والجامعة وفي كل المجالات، حفظ القرأن وهو صغير، وبجانبه حفظ ثلاثمائة كتاب هي كل ما كانت تحويه مكتبة القرية في المنصورة، وهو صغير، ثم حفظ التوراة والإنجيل.
ومن أقواله: امرأة وراء كل عظيم، كأرض منخفضة وراء كل جبل.. سعيد من يجد امرأة يحبها، تعيس من يجدها ثم يتزوجها.. المرأة تفضل أن تستسلم للرجل الذي يرغمها، وليس للرجل الذي يقنعها".
أهّلت هذه الأقوال أنيس منصور ليرث بجدارة لقب "عدو المرأة" عن أستاذه، عباس العقاد، وهو اللقب الذي تبرأ منه منصور، وقال إن المرأة هي التي تعتبره عدوًا لها، بسبب صراحته في مواجهتها بحقيقتها.
علاقة الرجل، الذي شاكس المرأة تارة وهاجمها أخرى، بوالدته كانت من نوع خاص، فقد أحبها حبًا شديدًا تعذب معه وشقي به، وقال عن حبه لأمه في مقال تحت عنوان "كرهت الحب"، ضمه كتابه "وداعًا أيها الملل": حب أمي يعذبني فعلا.. إنها سلبتني أعز ما أملك.. سلبتني حريتي.. إنني أصبحت أشعر بأنني حارس لإبنها.. الذي هو أنا.. بأنني حاميه.. بأنني أمانة.. في عنقي.. بأنني "عهدة" يجب أن أسلمها إلى صاحبتها وهي والدتي.. بأنني يجب أن أصون نفسي.. ألا أتعب.. ألا أتقلب في فراشي.
إن حبي لأمي جعلني أتحول من صاحب مال إلى حارس لهذا المال، من صاحب عمارة إلى بواب إلى خفير، من ابن إلى كلب يحرس هذا الابن.
فأمي لا تتصور أبدًا أنني من الممكن أن أمرض أو أتعب أو أتعذب.. إنها تحزن في عجز، فكل ما تملكه أمي هو بضعة ملايين من الدموع، ومثلها من الدعوات 3 مرات في اليوم.
لقد كرهت حبي.. كرهت حبي لأمي لأنه يعذبني لأنه يحرمني متعة المرض، متعة الصراخ بأعلى صوتي وقول: آه.. متعة تبديد نفسي.. إهدار صحتي.. ممارسة حريتي.. فإنها هي المرض الغريزي.. المرض الذي أوصت به السماء في كل دين.
بكى أنيس منصور أمه، بعد وفاتها، بحرارة، وقال "كم أحببت هذه الأم وبكيت وما زلت أبكي فراقها فقد دفعتني للتفوق والقراءة، وحفظ القرآن في طفولتي، كانت أمي وصديقتي في طفولتي وصباي".
قبل وفاته أوصى وهو على فراش الموت، أن يدفن بجوار أمه، وفي عام 2011 مات أنيس منصور ودفن بجوار أمه في مقابر مدينة نصر.